الصفحة 36 من 47

الوجه العشرون: أن الله سبحانه وتعالى قد أتمّ لنا الدين، وأوضحَ حدوده وأحكامه، وبيَّنها غاية البيان، وأعظم ما وقعت فيه الإبانة هو التوحيد الذي بعث الله رسله من أجله، وأقام على الناس بهم الحجة، وأوضح لهم المحجة، فلا أوضح ولا أجلى بيانًا من مسائل التوحيد والإيمان، فقد أحكم الله فيها البيان وفصَّله بما يقطع به حجة كل محتج، كما قال سبحانه: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) } [النساء] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (كل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل [1] فقد بينه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر، إذ هذا من أعظم ما بلغه الرسول البلاغ المبين، وبينه للناس وهو من أعظم ما أقام الله به الحجة على عباده فيه بالرسل الذين بينوه وبلغوه، وكتاب الله الذي نقل الصحابة ثم التابعون عن الرسول لفظه ومعانيه، والحكمة التي هي سنة رسول الله التي نقلوها أيضا عن الرسول مشتملة من ذلك على غاية المراد وتمام الواجب والمستحب [2] .

ولا شك ولا ريب أن مسألة الاحتكام إلى الطواغيت من تلك المسائل التي أُحكم بيانها، وأُوضح حكمها إيضاحًا تامًا، إذ هي من مسائل التوحيد الذي ما بعث الله رسله ولا أنزل كتبه إلا من أجله، فتقرير الشارع لحكمها لا يكون إلا بِمُحكم بيِّنٍ واضح، إذ بالواضحات المحكمات تقام الحجة وتتضح المحجة وينقطع عذر كل معتذر، فلا يمكن خلوُّ كلام الشارع في مسائل أصل الدين عن محكم واضح حتى لا يكون في الدلالة على حكمه إلا مشتبه محتمل، هذا ما لا يمكن كونه البتة.

فمن قال بأن التحاكم إلى الطاغوت كفر في كل حال، وليس يرخص فيه إلا لمكره، فعنده على ذلك البراهين النيرات، والمحكمات القاطعات، والأدلة الواضحات -كما تقدم-، بخلاف القائل بأن التحاكم إلى الطواغيت لاسترداد الحقوق عند غياب حكم الله لا يكون كفرًا، فقد لجأ في الاستدلال على قوله -على أحسن حال- بالمتشابه المحتمل المُشكِل، ورامَ به معارضة المحكم الصريح، وإنما يُقدِّم المشتبه على المُحكم من قال الله فيهم: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ .. } [آل عمران: 7] .

(1) أي مسائل التوحيد والصفات والقدر والنبوة والمعاد ونحوها.

(2) مجموع الفتاوى (3/ 295) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت