الصفحة 35 من 47

فشرطَ الكفرَ بالطاغوت والإيمانَ بالله لحصول الاستمساك بالعروة الوثقى، والتحاكمُ إلى الطاغوت مضادٌ للكفر به ومنافٍ له، فلا يتأتى الكفر به مع عدم اجتنابه، فمن ترك اجتناب الطاغوت لم يكن به كافرًا، وإن تعلل في عدم اجتنابه للطاغوت باضطراره لانتزاع سليب حقه، فغاية أمره أنه آثر استخلاص حقِّهِ على امتثال أمر الشارع بالكفر بالطاغوت، وترك امتثال الأمر بالكفر بالطاغوت ناقض للإسلام، ولو ذهبت دنيا المرء كلها ما جاز له اقتراف الكفر من غير إكراه.

ولله درُّ العلامة سليمان بن سحمان رحمه الله إذ يقول: (إذا كان هذا التحاكم كفرًا، والنّزاع إنما يكون لأجل الدنيا، فكيف يجوز لك أن تكفر لأجل ذلك؟! فإنه لا يؤمن الإنسان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وحتى يكون الرسول أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين، فلو ذهبت دنياك كلها، لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها، ولو اضطرك مضطر وخيرك بين أن تحاكم إلى الطاغوت أو تبذل دنياك، لوجب عليك البذل ولم يجز لك المحاكمة إلى الطاغوت [1] .

الوجه الثامن عشر: أن أعظم مصلحة في الوجود هي مصلحة التوحيد، وأعظم مفسدة في الوجود هي مفسدة الشرك والكفر، وزوال دنيا المرء كلها لا يعادل في الفساد انسلاخه من التوحيد وغشيانه الشرك البتة، وقد تقرر عند العقلاء أن درء أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما أولى من درء الأدنى باحتمال الأعلى، فاحتمال ضرر ذهاب الأموال والأبدان أولى من درئه بفعل ما يخرم التوحيد والإيمان، ولم يرخص لنا الشارع الحكيم درءَ الضرر بفعلِ ما يناقض الإيمان إلا من إكراه، فما سوى الإكراه من ضررٍ فلا يجوز درؤه بما يخرم الإيمان بحال، إذ خرم الإيمان مضرة لا تعادلها مضرة، ومعرة لا تربو عليها معرة!

الوجه التاسع عشر: أن زوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم كما صح عن النبي صلى الله وسلم، وقد قال الله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 191] ، وقال سبحانه: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] ، والفتنة هي الشرك والكفر.

فإذا كان قتل المؤمن بغير حق مع كونه ذنبًا أهونُ عند الله من زوال الدنيا، فكيف بالكفر الذي هو أشد وأعظم عند الله وأكبر من القتل!!

وإذا كان ضرر زوال دنيا المرء لا يُدرءُ بقتل مسلم بغير حق، فعدم درئه بفعل الكفر من باب أولى وأحرى!

(1) الدرر السنية (10/ 510 - 511) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت