الصفحة 4 من 47

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله العلي الأعلى، الذي خلق فسوى، والذي قدر فهدى، والصلاة والسلام على النبي المصطفى، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى.

وبعد:

فإن الله قد ألزم عباده ردَّ المتنازع فيه من الأمر إليه وإلى رسوله إذ كان هو المبلغ عنه، كما قال سبحانه {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) } [النساء] .

فكل ما وقع فيه التنازع وجب رده إلى الله ورسوله من صغيرٍ وكبيرٍ، وقد جاءت (شيء) منكَّرة في سياق الشرط فعمّت، فوجب الرد في كل شيء، وعلى أي حال وقع التنازع، إذ العموم في (شيء) يستلزم العموم في أحوال التنازع، وما ردُّ الأمر إلى الله ورسوله إلا شأن المؤمنين به وباليوم الآخر، فلذلك علق الله أمره بالرد على الإيمان به واليوم الآخر تحريضًا وتحضيضًا على الاحتكام إلى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحذيرًا من ترك ذلك، إذ ليس تركه من صنيع من يؤمن بالله واليوم الآخر حقًا، ويرجو ما عند الله ويخشى عقابه، فمفهوم الآية: إن لم تكونوا مؤمنين بالله واليوم الآخر فلا عليكم أن تردوا الأمر إلى الله وإلى رسوله، وهذا مفهوم إيعادٍ لا إسقاط، قال ابن كثير رحمه الله: ( {إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} فدل على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر [1] .

وقد اختص الله سبحانه وتعالى نفسه سبحانه بالحكم في ما اختُلِف فيه فقال: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) } [الشورى] .

و (ما) هي الشرطية وهي من صيغ العموم، وقد جاءت (شيء) منكرة في سياق الشرط فعمت، وأُكِّد العموم بـ (مِن) ، فكل ما اختُلِف فيه من شيء فحكمه إلى الله لا سواه، ويحتمل أن تكون (ما) هي الموصولة وهي كذلك من صيغ العموم.

ولما كان رد الأمر إلى الله ورسوله يعني رده إلى كتابه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام، وكان لأهل العلم خصيصة فقه مرادات الله ورسوله في جملة الشريعة، فقد أوجب الله سبحانه وتعالى على من لا يعلم سؤال العالِمين فيما لا يعلم، فقال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) } [النحل] .

(1) تفسير القرآن العظيم (2/ 346) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت