وحذر سبحانه أهل العلم وأوعدهم إذ أحال إليهم من لا يعلم أن لا يكونوا أدلاء أمناء لهم على حكم الله، فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) } [البقرة] ، وقال جل في علاه: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) } [البقرة] .
فليس شأن العالم إلا هداية الناس إلى المحجة، وتبصيرهم صراط الله الذي ألزمهم سلوكه، فتلك وظيفة من اختصهم الله بالعلم، وشرَّفهم به، وذلَّل لهم صعابه، وفتح لهم أبوابه، فأكرم بها لمن أخذها بحقها، وأدى الأمانة على وجهها.
فانظر رحمني الله وإياك كيف أن الله سبحانه وتعالى لم يجعل لأحد من خلقه شركة ولا نصيبًا في الحكم، بل جعله إليه وحده، ولما كان حكم الله لا يتأتى الوصول إليه من كل أحد، أقام سبحانه وتعالى العلماء على الطريق إليه ليبصروا الناس ويهدوهم، ويرشدوهم إلى المحجة ويدلوهم، وأوجب على من جهل أن يسألهم، لينتظم الخلق في عبادة الاحتكام إليه، ويفردوه بالحكم دون سواه، فلا يصرف أحد شيئًا من عبادة الاحتكام إلى غير الله، لا إلى هوى ولا إلى طاغوت ولا إلى قوانين وضعية ولا إلى دساتير أرضية ولا إلى شيء سوى الإله الحكم العدل جل في علاه {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) } [الأنعام] .
فتلك هي الفريضة والحقيقة {فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} ، {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ} ، {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [يوسف: 40] .
وهذه لمن جهل الطريقة {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .
فيا أيها الجاهل فاسأل، ويا أيها العالم أحسن الدلالة والبذل، فإنك إن ضيعت أُضِعت، وإن خنت فضحت، وإن كتمت بلجام من نار ألجمت! وحاذر أن تنسلخ مما علمك الله، وتخلد إلى الأرض، وتتبع هواك فتكون كمن قال فيه الحكم العدل: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) } [الأعراف] .
فإيعاد أهل الذكر إن خانوا أو كتموا ـــــ بما قد علمت ــــ، وإيجاب السؤال على من لا يعلم، حياطة ربانية لحقه الخالص في الحكم، وتسييج له بسياج الوحدانية، فلم يكتفِ سبحانه إذ أحال من لا يعلم إلى من يعلم حتى