الصفحة 6 من 47

شدد على العالِمين وأوعدهم أن يُضِيْعوا ما افترض عليهم من البيان، والهدي إلى حكم الرحمن، فليست الإحالة لهم لذاوتهم، ولا لأشكالهم، ولا لألوانهم، ولا لأحسابهم، ولا لأنسابهم، بل ليوصلوا المُحالَ إلى من أحاله إليهم إذ لم يعلم حكمه، وإنما شَرَفُهم بالعلم بحكم الله والعمل بما علموا، فإن خاسوا بعهد الله وميثاقه عليهم واتبعوا أهواءهم غدا أمرهم فُرُطا.

وقد تجلّت رعاية الحق سبحانه لحقه الخالص في أظهر صورها، وأعظمها رادعًا للنفوس الحائمة حول الخطر، والمتسورة بالجهالة إلى ما حظر، إذ قال عن رسوله الذي اصطفاه، ورقَّاه إلى أعلى مراقي الحظوة واجتباه: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) } [الحاقة] .

فجلّ الحق وتقدس أن يُنازع فيما اختصه لنفسه من حق، وتعالى وتنزه أن يُشارك في الأمر ولو ممن كرّمه على الخلق، {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) } [الأعراف] ، {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) } [الكهف] .

ألا وإن من عظيم حياطة الله سبحانه وتعالى لحقه في الحكم أن حرم القول عليه بلا علم، وأوعد عليه أشد الوعيد، بل عظَّمه على الإشراك به فقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) } [الأعراف] .

قال ابن القيم رحمه الله: (وقد حرم الله سبحانه القول عليه بغير علم في الفتيا والقضاء، وجعله من أعظم المحرمات، بل جعله في المرتبة العليا منها، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، فرتب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنّى بما هو أشد تحريمًا منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلث بما هو أعظم تحريمًا منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربع بما هو أشد تحريمًا من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه [1] .

وقال أيضًا: (فهذا أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثمًا، فإنه يتضمن الكذب على الله، ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته وإثبات ما نفاه، وتحقيق ما أبطله وإبطال ما حققه، وعداوة من والاه وموالاة من عاداه، وحب ما أبغضه وبغض ما أحبه، ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله، فليس في أجناس

(1) إعلام الموقعين (1/ 31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت