ذلك، وقد يكون مشهورًا لكن لا يعلم حده بل يعلم معناه على سبيل الإجمال كاسم الصلاة والزكاة والصيام والحج ... - إلى أن قال- بالجملة فالحاجة إلى معرفة هذه الحدود ماسة لكل أمة وفي كل لغة فان معرفتها من ضرورة التخاطب الذي هو النطق الذي لا بد منه لبني آدم [1] .
والغرض من هذا التنبيه تشديد الوصاية على كل ناظر بالاهتمام بهذا الأمر، والتريث في الحكم على صور الحوادث حلًا أو حرمةً ما لم يُحقق دخولها في مسمى التحاكم، فكم من صورة تُخال من أفراد هذا المسمى وهي منطوية تحت غيره، ممتازةٌ في شرع الله عنه، ومن ذلك الاستنصار بالطواغيت، ومنها إمثالهم للموحدين أمام قضاتهم، ودفع الموحد عن نفسه أمام أولئك الطواغيت، ونحو ذلك، فليحتط كل امرءٍ لنفسه، وليتق الله أن يقول عليه ما لا يعلم.
وكما أن الكلام في مسألة التحاكم إلى الطواغيت يلزم من رام التصدي له أن يحقق حدوده، فكذلك لازمٌ أن يدرك أن مسألة التحاكم إلى الطواغيت عند غياب حكم الله من المسائل التي دقَّت وخفيت، ودخلها الاشتباه على الكبار فضلًا عن غيرهم، وهي وإن كانت في أصلها وكليتها من المعلوم من الدين بالضرورة، فليس جزؤها المعيَّن الذي كثر النزاع فيه كذلك، والمنازع فيه ليس ينازع في ذلك الأصل وتلك الكلية، وإنما نزاعه في إلحاق تلك الجزئية المخصوصة بذلك الكلي، فكلا الطرفين مقر بأن الله هو الحكم، وأن له الحكم وحده لا شريك، وأن منازعه في ذلك الحق طاغوت من الطواغيت، ومن جملة الأنداد والأرباب الباطلة التي هي حصب جهنم، وأن الكفر بتلك الطواغيت شطر الإسلام، ولا يقبل الله من عبد صلاة ولا صيامًا ولا صدقة ولا حجًا ما لم يكفر بها، وإنما اشتبهت عليهم تلك الصورة المخصوصة، وتصورا انفكاكها عن هذا الأصل، وقوى ذلك عندهم ما احتمل واشتبه من نصوص الكتاب والسنة، فجعلوه سندًا يركنون إليه، وتُكأة يميلون إليها، ولسنا في شك أن الكثير منهم إنما مقصده الحق، ووجهته الدليل، وإن كان قد يجامع الواحد منهم هوى خفي إما لحاجةٍ، أو استثقالٍ للقول الذي نَصَرَ خلافه، أو تعصب مبطَّن لمتبوعه ومعظَّمه الذي قال بهذا القول، وكما قال الشاطبي رحمه الله (إذا دخل الهوى أدى إلى اتباع المتشابه [2] ، وقال: (إذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل لم ينتج إلا ما فيه اتباع الهوى [3] .
وبكل حال فإن بسط العذر فيما هو من هذا الضرب من المسائل هو جادة الحق التي لا يتنكبها من يشحُّ بدينه، كما في حديث الرجل الذي أوصى أهله بإحراقه بعد موته، وشك في قدرة الله على إعادته بعد تفرق أجزائه، وتشتتها في كل جهة، فعذره الله إذ لم يكن بلغه من الحجة في هذا الجزئي الخاص ما يقطع عذره، وإن كان الشك في أصل القدرة مما لا يعذر فيه بجهلٍ، إذ هو مما تضافرت عليه دلائل الفطرة والوجود، وتحقق علمه بالضرورة التي لا يدفعها
(1) الرد على المنطقيين (49 - 51) .
(2) الموافقات (5/ 221) .
(3) السابق.