الصفحة 44 من 47

إلا جاحد معاند، فأما عموم تلك القدرة وشمولها وسعتها فليس هو مما يعلم بالضرورة، بل قد يطرأ عليه الشك والخطأ الذي لا يندفع إلا بالحجة الرسالية، والغالط في جزئي مما يندرج تحت تلك الكلية ليس غلطه فيما غلط فيه غلطٌ على ذلك الأصل، أو قضاءٌ عليه بما قضاه على جزئيِّه، بل هو قضاء خاص لاشتباه ووهمٍ علق بذلك المخصوص، فلا بد من مراعاة هذا فيما يعرض فيما دقَّ وخفيَ المسائل، وإلا كان الفساد الذي يسخطه رب العباد.

ومن اجتهد وبذل وسعه في تحري الحق في المسائل الخفيات في أصول الدين وفروعه، فالله يغفر له إن أخطأه، وكذلك من قلد فيه من يثق بعلمه وديانته، لم يكن بفعل ما أوجبه الله عليه من ذلك خارجًا عن ربقة الشرع إن أخطأه، وإلا ضربنا شرع الله بعضه ببعض، وأشهدنا على أنفسنا باضطراب الآراء، واقتفاء الأهواء!

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (الصواب أنه من اجتهد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم وقصد الحق فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين فهو كافر، ومن اتبع هواه وقصر في طلب الحق وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقًا وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته، فالتكفير يختلف بحسب اختلاف حال الشخص، فليس كل مخطئ ولا مبتدع ولا جاهل ولا ضال يكون كافرًا، بل ولا فاسقًا، بل ولا عاصيًا، لا سيما في مثل مسألة القرآن، وقد غلط فيها خلق من أئمة الطوائف المعروفين عند الناس بالعلم والدين، وغالبهم يقصد وجهًا من الحق فيتبعه، ويعزب عنه وجه آخر لا يحققه، فيبقى عارفًا ببعض الحق جاهلًا ببعضه، بل منكرًا له، ومن ههنا نشأ نزاعهم [1] .

وقال في حق المقلد: (وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل وقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد، فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة، وأما إن قلد شخصًا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق، فهذا من أهل الجاهلية [2] .

فتدبر ما قاله هذا الإمام فهو نهاية التحقيق في هذا الباب، فمن ساوى في الحكم بين المسائل المعلومات الظاهرات والمشكلات الخفيات، فقد جار وأبطل، وحاد عن المحجة واستبدل، ولم يزن بالقسطاس المستقيم، ولا سلك السبيل القويم، ومن خاف الجليل، وتقفر الدليل، أطر نفسه عن الخوض ما لم يحقق ويستبِن، وما سوى ذا بنجاةٍ قَمِن!

وإذا علم هذا فليعلم أن إقامة الحجة في هذا النوع ليس مما يتساوى فيه أفراد الغالطين في هذه المسائل، ولا هو كذلك يصلح لإقامتها كل من عرف الحق في نفس الأمر، فقد يكفي لها تارةً عرض الحق بدليله، وتارةً مع إبطالٍ بسيط لشبهاتٍ قامت في نفس هذا المخطئ، وتارة مع جدل ومصاولة، وقراع فرسان وحشد برهان، وقد يكون للمخطئ فيها احتشاد واستماتة لا يتفق معها من يقيم عليه الحجةَ التي يكون بخلافها كافرًا، ويصدق في هذا الموضع قول

(1) مجموع الفتاوى (12/ 180) .

(2) مجموع الفتاوى (7/ 71) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت