الصفحة 46 من 47

والمؤسف أن ترى استيلاء الرغبة في بحث الأحكام عند كثير من المعاصرين في الشاقِّ على النفوس، ثم اللجأُ إلى عمومات رفع الحرج في الشريعة والقضاء بها على خصوص أحكام الشارع المحكمة في المعيَّن الجزئي، مع ما يصاحب ذلك من محاولة الترقيع بالمتشابه والمحتمل والضرب به في وجه ذلك المحكم في القضية، وهذه الطريقة في حقيقتها انفلات عن ربقة التسليم، وتحايل مبطن أثيم، وهل ولد رقة الديانة، والتسور على حدود الله وحرماته إلا من ولج هذا الباب، وقام عليه ينادي ويرغِّب! فالله المستعان.

وسبيل أهل العلم هو ما قدّمتُ، ورفع الحرج لا بد فيه اقتفاء أمر الشارع، والنظر فيما رفعه من المشاقَّ وما بقَّاه، وما ناطَ به الرفع، ولحظِ تصرفه في مختلف الأحكام، فقد يرفع في عملٍ ما لا يرفع في آخر، فالمشقة التي كان مظنة وجودها علةً تقصر لها الصلاة ليست هي التي تعذر صاحبها عن واجب الجهاد، ولا هاتان بتلك التي يُرخص لصاحبها في الكفر، فلكل قدره، ولكل باب ٍ معتادٌ فيه لا يكون وجوده مقتضيًا للترخص، قال الشاطبي رحمه الله: (التعب والمشقة في الأعمال المعتادة مختلفة باختلاف تلك الأعمال، فليست المشقة في صلاة ركعتي الفجر كالمشقة في ركعتي الصبح، ولا المشقة في الصلاة كالمشقة في الصيام، ولا المشقة في الصيام كالمشقة في الحج، ولا المشقة في ذلك كله كالمشقة في الجهاد، إلى غير ذلك من أعمال التكليف، ولكن كل عمل في نفسه له مشقة معتادة فيه توازي مشقة مثله من الأعمال العادية، فلم تخرج عن المعتاد على الجملة [1] .

وقال: (المشقة قد تبلغ في الأعمال المعتادة ما يظن أنه غير معتاد ولكنه في الحقيقة معتاد، ومشقته في مثله مما يعتاد ... فكثير مما يظهر ببادئ الرأي من المشقات أنها خارجة عن المعتاد لا يكون كذلك لمن كان عارفًا بمجاري العادات، وإذا لم تخرج عن المعتاد، لم يكن للشارع قصد في رفعها، كسائر المشقات المعتادة في الأعمال الجارية على العادة فلا يكون فيها رخصة .. فحيث قال الله تعالى: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} [التوبة: 41] ، ثم قال: {إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [التوبة: 39] ، كان هذا موضع شدة؛ لأنه يقتضي أن لا رخصة أصلا في التخلف، إلا أنه بمقتضى الأدلة على رفع الحرج محمول على أقصى الثقل في الأعمال المعتادة، بحيث يتأتى النفير ويمكن الخروج، وقد كان اجتمع في غزوة تبوك أمران: شدة الحر، وبعد الشقة، زائدًا على مفارقة الظلال، واستدرار الفواكه والخيرات، وذلك كله زائد في مشقة الغزو زيادة ظاهرة، ولكنه غير مخرج لها عن المعتاد، فلذلك لم يقع في ذلك رخصة، فكذلك أشباهها [2] .

وفي هذا غاية البيان على فساد طرائق أولئك المعاصرين، وفي خصوص هذا الباب من إذا باحثته في مسألة التحاكم إلى الطواغيت عند غياب حكم الله، وقرعت سمعه بالبينات السواطع، والنصوص القواطع، قام يجبهك معرضًا عن كل ذلك بالتعلل بالمشقة، وضياع حقوق الناس زعم، ولعلك لو نظرت وفتشت في كثير مما يزعمه هذا الضرب من المشقة التي تقحموا لأجلها ما تقحموا، لما وجدتها تبلغ معشار تلك المشقة التي لحقت بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في

(1) الموافقات (2/ 269) .

(2) الموافقات (2/ 271 - 272) باختصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت