(47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) .. الآيات [النور] .
وكشف ما في هذا الاستدلال من فساد وردِّه يتبين بسبعة وعشرين وجهًا:
الوجه الأول: غاية ما في هذه الآيات أن صورة سبب النزول في قوم دُعوا إلى حكم الله ورسوله، فأعرضوا وتولوا من بعد أن كانوا أظهروا الإيمان والطاعة، وصورة سبب النزول لا تستلزم حصر الحكم في وصفها، ولا نفيه عما عداها.
فإن دل دليل عام على اشتراك غيرها من الصور في حكمها، فليس ورود هذه صورةً للنزول في موضعٍ مقتضٍ تخصيصًا، بل الحال أن فردًا من أفراد ذلك العموم قد وقع عليه التنصيص لتحقق صورته وحصولها، وليس في هذا دلالة تخصيص بوجه من الوجوه.
الوجه الثاني: أن صورة سبب النزول اشتملت على ثلاثة أوصاف:
1 -قوم أظهروا الإيمان والطاعة لله ورسوله، {وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا} .
2 -دُعوا إلى حكم الله ورسوله، {وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ} .
3 -تولوا وأعرضوا، {ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} ، {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ} .
فلو كانت صورة سبب النزول مُخصصة وحاصِرة للكفر في وصفها، فيلزم المجيز أن لا يكفر من احتكم إلى الطاغوت مع وجود حكم الله حتى يُدعى إلى حكم الله! فإن وُجِدَ حكم الله وعَدَلَ عنه مُعيَّنٌ إلى حكم الطاغوت، فليس بكافر حتى يكون عدوله مسبوقًا بدعوته إلى حكم الله! لأن صورة سبب النزول كذلك!! وهذا لازمٌ لا محيص له عنه!!
فلنسلم أن الكفر عُلِّق في هذه الآيات بوصف، وأن ذلك من باب التخصيص، فإن الوصف الذي عُلِّق عليه الحكم ليس هو وجود حكم الله، بل هو الدعاء إلى حكم الله المتبوع بالتولي والإعراض، والدعاء يستلزم وجود [1] حكم الله وليس هو نفس الوجود!
وحينئذٍ .. فدعواه أن الحكم قد عُلِّق بوجود حكم الله مدفوعة بمنطوق الآية، وهو مُلزم بأحدٍ أمرين كلاهما مبطلٌ لقوله: إما التمسك بدعوى التخصيص بصورة سبب النزول، فيلزمه عدم تكفير المتحاكم إلى الطاغوت حتى يكون
(1) سيأتي توضيح لمعنى الوجود في الوجه العاشر.