وَ اللهِ أَسْمَعُ مَا بَقِيتُ بِهَالِكٍ ... إلَّا بَكَيتُ عَلَى النَبيَّ مُحَمَدٍ
الخاطرة الثانية: الإسلام صانع الرجال، ولولا الإسلام لكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مجرد رجل من قريش، ولولا الإسلام واختيار الله وتكريمه ما كان أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا غيرهم من رجال الإسلام ـ أبطاله ... وعلماؤه ودهاته ـ رحمهم الله أجمعين ... والإسلام لم ولن يعقم يوما عن صناعة الرجال، الذين يبذلون أعمارهم وأرواحهم لمرضاة ربهم - عز وجل - ثمّ يمضون لموعود الله تعالى، ويبقى الإسلام يصنع آخرين وتبقى الدنيا دار ابتلاء .. وكل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها، وعند ربك تجتمع الخصوم {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} .
الخاطرة الثالثة: الزرقاوي ـ رحمه الله ـ ليس أول قائد يُقتل .. قُتل قبله من الأنبياء والمرسلين وحواريّيهم خلق كثير .. قُتل عمر - رضي الله عنه - شهيد المحراب وقتل عثمان - رضي الله عنه - شهيد الدار، وقُتل علي - رضي الله عنه - ... ولم يخل تاريخ الأمّة من مصارع الأبطال ..
ونحن أناس لا نرى الموت سبّة ... على كل من يحمي الذّمار ويمنع ...
جلاء على ريب الحوادث لا نرى ... على هالك عينا لنا الدهر تدمع
بل القتل في سبيل الله - عز وجل - مفخرة للمقتول ومفخرة للإسلام والمسلمين، فأَعظِم بها عقيدة يضحّي أهلها في سبيلها بالغالي والنفيس .. {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} .
الخاطرة الرابعة: الزرقاوي وغيره، أنفس ضرب الله لها آجالا لن تتعداها {كِتَابًا مُؤَجَّلًا} .. والقتال لن يقدّم أجلا كما أن القعود لن يؤخر أجلا {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ} .. لكن متى يدرك أحلاس البطالة وأسارى الجبن أنهم لن يعيشوا أكثر من آجالهم .. متى يفقهوا سيرة خالد بن الوليد - رضي الله عنه - .. ولا نامت أعين الجبناء.