الصفحة 12 من 177

الله عزَّ وجلَّ نهى عباده المؤمنين عن الوهن والضعف، وإنَّما يُنهى المرء عن فعل ما هو قادر عليه أو قادر على تركه وعدم الاتصاف به وإلا كان تكليفًا بما لا يطاق.

والمقصود أنَّ المصائب مهما تعاظمت فلا ينبغي أن تكون سببًا في التراخي والخور والوهن والفتور، ولا سببًا في الانكسار أمام العدو والخضوع له، فالأمر يحتاج إلى تحمُّل وتكلُّف وتصبُّر تُطرَد به كلُّ تلك الأدواء القاتلة. والتأسِّي بالخيار يبعث الهمم، ويقوِّي العزم، ويخفف الألم، قال ابن عاشور -رحمه الله-: واعلموا أنَّه إذا كان هذا شأن أتباع الأنبياء، وكانت النبوة هديًا وتعليمًا فلا بدَّ أن يكون هذا شأن أهل العلم وأتباع الحقِّ؛ ألاَّ يوهنهم ولا يضعفهم ولا يخضعهم مقاوم ولا أذى حاسد أو جاهل، (وَكُلًا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) .

وفوق هذا (وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) يحبُّ هؤلاء وأمثالهم من الصابرين لأمره وطاعته وطاعة رسوله في جهاد عدوِّه، لا من فشل ففرَّ عن عدوِّه، ولا من انقلب على عقبيه فذلَّ لعدوِّه لِأَنْ قُتِل نبيُّه أو مات أو طال به الطريق، ولا من دخله وهنٌ عن عدوِّه وضعفٌ لفقد نبيِّه.

سبيل الجهاد لا بدَّ له من صبر، لا يكون دخول ساحاته لطفرة حماسة متَّقدة تخبو عند مواجهة الحقائق، والنزول إلى ميدان العمل، ومداخلة صنوف المشاكل، وما دامت الأيام دُوَل والحرب كرٌّ وفرٌّ فالمؤمن حقًّا لا يقرُّ بانتصار أحدٍ عليه ما دام في حماية عقيدته، الانتصار في معركة قد يدوم ساعة ولكنَّه لا يدوم إلى قيام الساعة، وبعد العسر يسر، ولم يغلب العسر يسرين، ولله العزَّة ولرسوله وللمؤمنين ولكنَّ المنافقين لا يعلمون.

الحرب سجال؛ يوم لك ويوم عليك، فإن كان الذي لك فإيَّاك والعُجب والبطر والغرور فتلك مزالق قاتلة، وإن كان الذي عليك فإيَّاك وظنّ الجاهلية، إيَّاك وقول من قال: (لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا) ، وقول من قال: (مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) .

أخي الكريم؛ الأمانة ثقيلة، والزاد قليل، والحساب عسير، والطمع في رحمة الله رجاء العبد الضعيف، وصلَّى الله وسلَّم على رسوله وعلى آله وصحبه أجمعين ومن دعا بدعوته وجاهد بجهاده إلى يوم الدين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت