الصفحة 11 من 177

إذن لا يكفي أن يجاهد المؤمنون؛ إنَّما هو الصبر على تكاليف هذه الدعوة وهذا الطريق، التكاليف المستمرة والمتنوعة التي لا تقف عند الجهاد في الميدان، فربما كان الجهاد في الميدان أخفَّ تكاليف هذه الدعوة التي يُطلب لها الصبر ويُختبر بها الإيمان، إنَّما هناك المعاناة اليومية التي لا تنتهي؛ معاناة الاستقامة على أُفُق الإيمان والاستقرار على مقتضياته في الشعور والسلوك، والصبر في أثناء ذلك على الضعف الإنساني في النفس وفي الغير ممن يتعامل معهم المؤمن في حياته اليومية، والصبر على الفترات التي يستعلي فيها الباطل وينتفش ويبدو كالمنتصر، والصبر على طول الطريق وبُعد الشُّقَّة وكثرة العقبات، والصبر على وسوسة الراحة وهفوة النفوس في زحمة الجهد والكرب والنظام .. الصبر على أشياء كثيرة ليس الجهاد في الميدان إلا واحد منها في الطريق المحفوف بالمكاره، طريق الجنَّة التي لا تُنال بالأماني وبكلمات اللسان.

ممَّا يناسب السياق بعد ذكر الابتلاء، والنهي عن الحزن والوهن، والأمر بالنظر في سنن من سلف، ذِكْرُ قول الله عزَّ وجلَّ: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيءٍ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ -وفي رواية قَاتَلَ- فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ * فَآَتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآَخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) الآية لها ربطٌ بما سبقها من الآيات، وقد ذكر العلماء في الآية معانيَ عدة بناءً على الاختلاف في قراءة قوله: (قَاتَلَ) أو (قُتِلَ) ، إلا أنَّ المعنى العام للآية: أنَّ الربيِّين أتباع الأنبياء ما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وإن كان المقتول هو النبي نفسه؛ لأنَّهم يقاتلون في سبيل الله وهو ربُّهم، لا في سبيل شَخْصِ نبيِّهم، وإنَّما حظُّهم من نبيِّهم تبليغه عن ربِّه وبيانه لهدايته وأحكامه، بل ثبتوا بعد قتل نبيِّهم كما ثبتوا معه في حياته؛ لأنَّ علَّة الثبات في الحالين واحدة: وهي كون الجهاد في سبيل الله عزَّ وجلَّ. إذن لو قلنا: (قَاتَلَ) فطول الطريق لم يوهنهم، وإن قلنا: (قُتِلَ) فقتل النبي أيضًا لم يوهنهم ولم يضعف من عزائمهم.

وقد مدح الله سبحانه أولئك الربيِّين فقال: (فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا) إذن فهلاَّ فعلتم كما كان أهل الفضل والعلم من أتباع الأنبياء قبلكم يفعلونه إذا قُتل نبيُّهم؛ من المُضِيِّ على منهاج نبيِّهم، والقتال على دينهم أعداءَ دين الله على نحو ما كانوا يقاتلون مع نبيِّهم، صبروا لأعدائهم حتى حكم الله بينهم.

وعدم الوهن والضعف والاستكانة كلُّ ذلك عملٌ مكتسب يمكن تحصيله، فيصبح المسلم المجاهد عند حلول المصائب بين أن يستجيب لداعيها وينقاد لتأثيرها فتورثه ضعفًا واستكانة فيُذمَّ، وبين أن يردَّها ويقوِّي قلبه لدفعها ويجمع لها موجبات إبعادها فتشتدَّ عزيمته ويظهر صبره وتصبُّره فيُمدَح. ومن هنا فإنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت