الصفحة 10 من 177

والثبات، وصحة النظر، وقوة العزيمة، وأخذ الأهبة، وإعداد ما يُستطاع من القوة، فعليكم أن تقوموا بهذه الأعمال وتُحكموها أتمَّ الإحكام.

كذلك من فوائد المداولة مداولة الأيام (وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا) ، فالناس قبل الابتلاء بالمحن والفتن يكونون سواء، فإذا ابتُلوا تبيَّن المخلص والصادق، والظالم والمنافق، وما أسهل ادِّعاء الإخلاص والصدق إذا كانت آياتهما مجهولة، فبيان السبب مؤدِّب للمقصِّرين وقاطع لألسنة المدَّعين، فالإنسان يلتبس عليه أمر نفسه فلا يتجلَّى كمال التجلِّي إلا بالتجارب الكثيرة والامتحان بالشدائد العظيمة. إنَّ المسلم خُلق ليكون أكثر الناس جِدًّا في العمل وأشدَّهم محافظة على النواميس والسنن. وأمَّا محق الكافرين المذكور في الآية؛ فلا يثبت للكافرين المبطلين وجودٌ مع المؤمنين الصادقين، وإنَّما يبقون ظاهرين -أي الكافرين- إذا لم يظهر من أهل الحقِّ والعدل من ينازعهم ويقاوم باطلهم.

يقول سيد قطب -رحمه الله- في تفسير الآية:"إنَّ الشدَّة بعد الرخاء والرخاء بعد الشدَّة هما اللذان يكشفان عن معادن النفوس، وطبائع القلوب، ودرجة الغبش فيهما والصفاء، ودرجة الهلع فيها والصبر، ودرجة الثقة فيها بالله أو القنوط، ودرجة الاستسلام فيها لقدر الله أو البرم به والجموح. عندئذٍ يتميَّز الصف ويتكشَّف عن: مؤمنين ومنافقين، ويظهر هؤلاء وهؤلاء على حقيقتهم، وتتكشَّف في دنيا الناس دخائل نفوسهم. ويزول عن الصف ذلك الدخل وتلك الخلخلة التي تنشأ من قلَّة التناسق بين أعضائه وأفراده، وهم مختلطون مبهمون، والله سبحانه يعلم المؤمنين والمنافقين. والله سبحانه يعلم ما تنطوي عليه الصدور. ولكن الأحداث ومداولة الأيام بين الناس تكشف المخبوء، وتجعله واقعًا في حياة الناس، وتحوِّل الإيمان إلى عمل ظاهر، وتحوِّل النفاق كذلك إلى تصرُّف ظاهر، ومن ثَمَّ يتعلَّق به الحساب والجزاء."

ومداولة الأيام، وتعاقب الشدَّة والرخاء، محكٌّ لا يخطئ، وميزان لا يظلم. والرخاء في هذا كالشدَّة. وكم من نفوس تصبر للشدَّة وتتماسك، ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحلُّ. والنفس المؤمنة هي التي تصبر للضَّرَّاء ولا تستخفَّها السَّرَّاء، وتتَّجه إلى الله في الحالين، وتوقن أنَّ ما أصابها من الخير والشرِّ فبإذن الله.

وقد كان الله يربِّي هذه الجماعة -وهي في مطالع خطواتها لقيادة البشرية-، فربَّاها بهذا الابتلاء بالشدة بعد الابتلاء بالرخاء، والابتلاء بالهزيمة المريرة بعد الابتلاء بالنصر العجيب، وإن يكن هذا وهذه قد وقعا وفق أسبابهما ووفق سنن الله الجارية في النصر والهزيمة. لتتعلَّم هذه الجماعة أسباب النصر والهزيمة.

والله سبحانه كان يربي هذه الجماعة المختارة لقيادة البشرية، وكان يريد بها أمرًا في هذه الأرض، فمحَّصها هذا التمحيص، الذي تكشَّفت عنه الأحداث في أُحُد، لترتفع إلى مستوى الدور المقدَّر لها، وليتحقَّق على يديها قدر الله الذي ناطه بها". انتهى قوله -رحمه الله-."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت