الصفحة 9 من 177

جريان الأمور على السنن المضطردة حجَّة على جميع الناس مؤمنهم وكافرهم، برِّهم وفاجرهم، وهي تدحض ما وقع للمشركين والمنافقين من الشبهة على الإسلام إذ قالوا لو كان محمَّد صلى الله عليه وسلم رسولًا من عند الله لما نيل منه، فكأنَّه يقول لهم: إنَّ سنن الله حاكمة على رسله وأنبيائه كما هي حاكمة على سائر خلقه، فما من قائد عسكر يكون في الحالة التي كان عليها المسلمون في أُحُدٍ ويُعمَل معه ما عملوا إلا ويُنال منه، أي: يخالفه جنده، ويتركون حماية الثغر الذي يُؤتَون من قِبَله، ويخلُّون بين عدوِّهم وبين ظهورهم، أو ما يعبَّر عنه بخطة الرَّجْعَة من مواقعهم، والعدوُّ مشرفٌ عليهم إلا ويكونون عرضةً للانكسار إذ هو كرَّ عليهم من ورائهم. وأمَّا كونه هدًى وموعظةً للمتقين خاصَّة فهو أنَّهم هم الذين يهتدون بمثل هذه الحقيقة، ويتَّعظون بما ينطبق عليهم من وقائع، فيستقيمون على الطريقة؛ هم الذين تكمل لهم الفائدة والموعظة لأنَّهم يتجنَّبون ويتَّقون نتائج الإهمال التي يظهر لهم أنَّ عاقبتها ضارَّة، فلنزن أنفسنا وإيماننا وإسلامنا بهذه الآيات، ولننظر أين مكاننا من هدايتها، وما هو حظُّنا من موعظتها.

إنَّ المؤمن بهذا الكتاب هو من يهتدي به ويتَّعظ بمواعظه، ولذلك جعل الله الهداية والموعظة من شؤون المتَّقين ولذلك قال بعده: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، والوهن: هو الضعف في العمل وفي الأمر وكذا في الرأي، والحزن: أَلَمٌ يعرض من نفسه إذا فقدت ما تحبُّ، فكأنَّ الله قال فلا تضعفوا عن القتال وما يلزمه من التدبير بما أصابكم من الجرح والفشل في أُحُد ولا تحزنوا على من قتل منكم في ذلك اليوم، وما حدث وما يحدث هو تربية لكم على ما وقع منكم من مخالفة قائدكم صلى الله عليه وسلم في تدبيره الحربي المحكم، وفشلكم وتنازعكم في الأمر، وذلك خروج عن سنَّة الله في أسباب الظفر، وبهذه التربية تكونون أحِقَّاء بأن لا تعودوا إلى مثل تلك الذنوب فتكون التربية خير لكم من عدمها، بل يجب أن تزيدكم المصائب قوَّةً وثباتًا بما تربِّيكم على اتِّباع سنن الله في الحزم والبصيرة، وإحكام العزيمة واستيفاء الأسباب في القتال وغيره، وأن تعلموا أنَّ الذي قُتلوا منكم شهداء اختارهم الله سبحانه وتعالى.

كذلك كأنَّ الله عزَّ وجلَّ يقول: انظروا في سنن من قبلكم تجدون أنَّه ما اجتمع قوم على حقٍّ، وأحكموا أمرهم، وأخذوا أهبتهم، وأعدُّوا لكلِّ أمر عدَّته، ولم يظلموا أنفسهم في العمل لنصرته، إلا وظفروا بما طلبوا وعُوِّضوا ممَّا خسروا، فحوِّلوا وجوهكم عن جهة ما خسرتم وولُّوها جهة ما يستقبلكم، وانهضوا به بالعزيمة والحزم مع التوكُّل على الله عزَّ وجلَّ.

المداولة في الواقع تكون مبنيَّة على أعمال الناس؛ فلا تكون الدولة لفريق دون آخر جُزافًا، وإنَّما تكون لمن عرف أسبابها ورعاها حقَّ رعايتها، وإذا كانت المداولة منوطة بالأعمال التي تفضي إليها كالاجتماع،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت