الصفحة 8 من 177

نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الكَافِرِينَ)، الله سبحانه يخاطب عباده المؤمنين الذين أصيبوا يوم أُحُد وقُتل منهم سبعون -والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب-: قد جرى نحو هذا على الأمم الذين كانوا من قبلكم من أتباع الأنبياء ثمَّ كانت العاقبة لهم. فما أصاب المسلمين يوم أُحُد غير عجيب في الحرب إذ لا يخلو جيشٌ من أن يُغلب في بعض مواقع الحرب، كأنَّه يقول سبحانه: إنَّ هذا الذي وقع لا يصحُّ أن يضعف عزائمكم؛ فإنَّ السنن التي قد خلت من قبلكم تبيِّن لكم كيف كانت مصارعة الحقِّ للباطل، وكيف ابتُلي أهل الحقِّ أحيانًا بالخوف والجوع والانكسار في الحرب ثمَّ كانت العاقبة لهم.

ومعنى الآية في الجملة: انظروا إلى من تقدَّمكم من الصالحين والمكذِّبين؛ فإذا أنتم سلكتم سبيل الصالحين فعاقِبَتكم كعاقِبَتهم، وإن سلكتم سبل المكذِّبين فعاقِبَتكم كعاقِبَتهم، فالآية خبرٌ وتشريع وفي طيِّها وعد ووعيد.

جاء القرآن ليبيِّن للناس أنَّ مشيئة الله تعالى في خلقه إنَّما تنفذ على سنن حكيمة وطرائق قويمة، فمن سار على سنَّته في الحرب مثلًا ظفر بمشيئة الله وإن كان ملحدًا، ومن تنكَّبها خسر وإن كان صدِّيقًا أو نبيًّا، وعلى هذا يتخرَّج انهزام المسلمين في وقعة أُحُد حتى وصل المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشجُّوا رأسه وكسروا سِنَّه وأردَوه في تلك الحفرة، ولكن المؤمنين الصادقين أجدر الناس بمعرفة سنن الله تعالى في الأمم، وأحقُّ الناس بالسير على طريقها بين الأمم، ولمَّا كان التعليم بالقول وحده من غير تطبيق على الواقع مما يُنسى أو يقلُّ الاعتبار به نبَّههم على هذا التطبيق في أنفسهم، وأرشدهم على تطبيقه على أحوال الأمم الأخرى (فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ) ، كان أهل الحقِّ يغلبون أهل الباطل ويُنصرون عليهم بالصبر والتقوى -أي: اتِّقاء ما يجب اتِّقاؤه في الحرب بحسب الزمان والمكان ودرجة استعداد الأعداء-، وكان ذلك يجري بأسباب مضطردة وعلى طرائق مستقيمة، إذ لسير الناس في الحياة سنن يؤدِّي بعضها إلى الخير والسعادة وبعضها إلى الهلاك والشقاء، ومن يتَّبع تلك السنن فلا بدَّ أن ينتهي إلى غايتها سواء كان مؤمنًا أو كافرًا، كما قال سيدنا علي -رضي الله عنه-:"إنَّ هؤلاء قد انتصروا باجتماعهم على باطلهم، وخُذلتم بتفرُّقكم عن حقِّكم".

ومن هذه السنن؛ أنَّ اجتماع الناس وتواصلهم وتعاونهم على طلب مصلحة من مصالحهم يكون مع الثبات من أسباب نجاحهم ووصولهم إلى مقصدهم. فالقرآن -إخوة الإسلام والجهاد- يهدينا في مسائل الحرب والتنازع مع غيرنا إلى أن نعرف أنفسنا وكنه استعدادنا لنكون على بصيرة من حقِّنا، ومن السير على سنن الله في طلبه وفي حفظه، وأن نعرف كذلك حال خصمنا ونضع الميزان بيننا وبينه وإلا كنَّا غير مهتدين ولا متَّعظين.

وإيضاح النكتة في جعل البيان للناس كافَّة والهدى والموعظة للمتَّقين خاصَّة؛ هو بيان أن الإرشاد عام وأنَّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت