ولا بدَّ من البلاء كذلك ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى، فالشدائد تستجيش مكنون القوى ومذخور الطاقة، وتفتح في القلب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن في نفسه إلا تحت مطارق الشدائد. والقيم والموازين والتصوُّرات ما كانت لتصحَّ وتدقَّ وتستقيم إلا في جوِّ المحنة التي تزيل الغبش عن العيون والران عن القلوب، وأهمُّ من هذا كله .. أو القاعدة لهذا كله الالتجاء إلى الله وحده حين تهتزُّ الأسناد كلها، وتتوارى الأوهام وهي شتى، ويخلو القلب إلى الله وحده لا يجد سندًا إلا سنده، وفي هذه اللحظة فقط تنجلي الغشاوات وتتفتَّح البصيرة وينجلي الأفق على مدِّ البصر لا شيء إلا الله، لا قوة إلا قوته، لا حول إلا حوله، لا إرادة إلا إرادته، لا ملجأ إلا إليه، وعندئذٍ تلتقي الروح بالحقيقة الواحدة التي يقوم عليها تصوُّر صحيح"."
إذن لا يظن من وفَّقه الله لسلوك سبيل الجهاد أنَّ موكب الجهاد يسير في كل زمان ومكان على وتيرة واحدة من السعة والآمال وتوالي الفتوحات وتتابع الانتصارات وتيسُّر الأحوال، فيصطدم عند أول عقبة ابتلاء تعترضه فيظن بالله ظن السوء، ويحسب أنَّ الأمر قد ولَّى فيهلك نفسه بهذا الظن، كحال من قال الله فيهم: (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا) وربما تقوده نفسه إلى الخذلان ومستنقع الهوان ليعيش تحت مِنَّة الطغاة، وربما غلبته فنطق لسانه فقال: (غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ) .
على المجاهد أن يتبصَّر ويهتدي بسنَّة الحرب وتداول الأيام بين المتحاربين، فلا ينبغي أن يجزع لهزيمة نالته، أو يتنازل عن دعوته لدالة عدوٍّ أو طول طريق، فالحرب سجال؛ كما قال هرقل لأبي سفيان: كيف كان قتالكم له -أي لرسول الله-، قال: الحرب بيننا سجال، ينال منَّا وننال منه، فقال هرقل: وكذلك الرسل تُبتلى وتكون لهم العاقبة.
في مداولة الأيام حِكَم وأسرار علمها من علمها وجهلها من جهلها، وذاك فضل الله يؤتيه من يشاء، يقول سيد قطب -رحمه الله-:"الله سبحانه هو الذي يتكفَّل بهذا لدعوته، فحيثما أراد لها حركة صحيحة عرَّض طلائعها للمحنة الطويلة، وأبطأ عليهم النصر، وقلَّلهم، وبطَّأ الناس عنهم حتى يعلم منهم أن قد صبروا وثبتوا وتهيؤوا وصلحوا لأن يكونوا هم القاعدة الصلبة الخالصة الواعية الأمينة، ثم نقل خطاهم بعد ذلك بيده سبحانه، والله غالب على أمره ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون".
قال تعالى مخاطبًا الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة بعد أُحُد فقال: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ * هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ