يتحدّث المخالفون هنا عن المفاسد الناشئة عن التفجيرات بزعمهم، ومنها إصابة المدنيين ممّا سينفّر عنا المسلمين، فلنذكر قبل الدخول فيما ذكروا بعض القواعد المهمَّة في المصالح عدا ما يأتي أثناء المناقشةِ.
فمن القواعد في المفاسد والمصالح:
أولاً ...: أنَّ المفسدة التي ثبت الحكم مع وجودها بدليلٍ (من نصٍّ أو تقريرٍ أو إجماع أو قياسٍ) غير معتبرة.
ثانيًا: أنَّ المفسدة التي تُلغِي الحكم، هي الخارجة عن المعتاد في مثلِه، الزائدة عن المفسدة اللازمة لأصله.
ثالثًا: أنَّ المفسدة التي يُفضي اعتبارها إلى تعطيل شعيرةٍ من شعائر الدين لاغيةٌ.
رابعًا: أنَّ الضرر الخاص يحتمل لدفع الضرر العام.
خامسًا: أنَّ النَّاظر في المصالح والمفاسد في أمر يكون نظره فيه لكل من يناله هذا الأمر من المسلمين.
سادسًا: أنَّ ترك أصول الدِّين ووقوع الشِّرك أعظم المفاسد على الإطلاق.
سابعًا: أنَّ تقدير المفسدة في أمرٍ، يكون لأهل العلم الشَّرعيِّ والمعرفة الدنيويِّة به.
ثامنًا: أنَّ اجتهاد الأمير في تقدير المصالح والمفاسد ما لم يكن مفسدةً محضةً، مقدَّمٌ على غيره.
تاسعًا: أنَّ النَّاظر في المصالح والمفاسد يُحاسب على ما كانت أماراته ظاهرةً وقت نظره، لا على ما وقع في نفسِ الأمرِ، إذ لا يعلم الغيبَ إلاَّ الله، وقد قدَّر النّبي صلى الله عليه وسلم أمورًا من أمر الجهاد وكذا من بعده من المجاهدين، فوقعت على غير ما ظنَّ وقدَّر. (انتقاض الاعتراض على تفجيرات الرياض لعبد الله بن ناصر الرشيد)
مدار هذا البحث أن مصلحة إقامة الدين يجب أن تقدم على ما دونها من المصالح، وقد اتفق على ذلك فقهاء الإسلام ولذلك قال الأصوليون: إن الضرورات الخمس (1) وهي الحفاظ على الدين والنفس والعقل والنسل والمال هي التي ينبغي على المسلم الحفاظ عليها فإن دعت ضرورة للتخلي عن بعضها أزهقت النفس والمال للحفاظ على الدين، ولذلك أوجب الله تعالى الجهاد في سبيله مع ما فيه من إزهاق النفس والمال، وضياع النسل والعرض الذي ينتهك بسبي الحريم والذرية، قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:111) .
إذا علم ذلك، وحدث نوع تعارض بين مصلحة انتصار الدين والمسلمين وبين قتل بعضهم ضرورة، لتحقق ذلك قلنا أن قتل بعض المسلمين من أجل انتصار الدين أمر جائز لا شيء فيه، وقد يؤجر بعض المسلمين الذين يقتلون بهذه الحال.