الصفحة 139 من 177

المسلمين بالجهاد من قتل أو سجن أو تعذيب أو تشريد، قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ} البقرة، الآية: 191، وقال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ} البقرة، الآية: 217. فيجب دفع المفسدة العظمى (فتنة الكفر والردة) بتحمل المفسدة الأخف (وهو ما يترتب على الجهاد من قتل وغيره) وهذا هو المقرر في القواعد الفقهية الخاصة بدفع الضرر، كقاعدة (الضرورات تبيح المحظورات) وقاعدة (يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام) وقاعدة (الضرر الأشد يُزال بالضرر الأخف) وقاعدة (إذا تعارض مفسدتان روعي أعظمهما ضررا) وقاعدة (يُختار أهون الشرين) وغيرها [1] .

وقال ابن تيمية رحمه الله: (وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يُحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ} أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه) [2] .

ـ يجوز بالتبع ما لا يجوز بالأصالة:

من المقرر عند أهل العلم أنه يجوز ويثبت تبعا ما لا يجوز ولا يثبت استقلالا، وهذه قاعدة فقهية معروفة نصّ عليها غير واحد من أهل العلم وذكروا بعض تطبيقاتها، وممن نص على ذلك الحافظ ابن رجب في قواعده، ص: (298) .

ومن تطبيقات هذه القاعدة أن الشارع حرم قتل النساء والصبيان في الحرب، كما ورد في غير ما حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع ذلك فإنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أذن في تبيت العدو، وروي عنه أنه رمى أهل الطائف بالمنجنيق ومعهم نساؤهم وأبناؤهم، ولم يجعل أهل العلم نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن قتل النساء والصبيان دليلا على منع ما يفضي إلى ذلك من التبييت والرمي بالمنجنيق، بل نزلوا كل دليل منزلته ولم يعدوه إلى ما لا يدخل فيه، ففرقوا بين حالتين:

الأولى: الحالة التي يتميز فيها المقاتلة عن الذرية، وهذه يمنع فيها قتل الذرية، وعليها تتنزل النصوص الناهية عن ذلك.

الثانية: حالة الاختلاط بحيث لا يمكن التمييز ولا يمكن الوصول إلى الكفار إلا بقتل ذراريهم، ففي هذه الحالة يجوز قتل الجميع وإن كان المقصود أصالة إنما هو قتل المقاتلة دون الذرية، يقول ابن قدامة رحمه الله في المغني (10/ 495) :"... ويجوز تبييت الكفار وهو كبسهم ليلا وقتلهم وهم غارون. قال أحمد: لا بأس بالبيات، وهل غزو الروم إلا البيات؟ قال: ولا نعلم أحدا كره بيات العدو". وقال أيضا (10/ 494) :"... وكذلك الحكم في فتح البثوق عليهم ليغرقوا إن قدر عليهم بغيره لم يجز إذا تضمن ذلك إتلاف النساء والذرية الذين يحرم إتلافهم قصدا، وإن لم يقدر عليهم إلا به جاز كما يجوز البيات المتضمن لذلك، ويجوز نصب المنجنيق عليهم، وظاهر كلام أحمد مع الحاجة وعدمها، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصب المنجنيق على أهل الطائف، وممن رأى ذلك الثوري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي."

(1) انظر القواعد الفقهية للزرقا (قاعدة 20 و 25 ـ 28) .

(2) مجموع الفتاوى (28/ 355) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت