أيها الإخوة في الله -عز وجل-، أيها المجاهدون في سبيل الله -تبارك وتعالى- في مشارق الأرض وفي مغاربها، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يعاودنا العيد كل عام بطلعته البهيَّه، لكن فرحة العيد لا تكتمل ولا يكتمل عرسها! فسرعان ما تُطفئ الدموع دفء البسمات، وسرعان ما يعكر الدم صفاء العيد، ولستُ أدري إن كان يحق لنا أن نفرح بالعيد كما يفرح غيرنا، لستُ أدري كيف يفرح من يُقتل كل دقيقة وتستباح حرماته كل ثانية!! إنَّ فرحًا مثل هذا يُضحك العدو والصديق، والله -عز وجل- المستعان.
إن عيد الأضحى يحيي في نفوسنا المكلومة ذكرياتٍ طيبة من تاريخ أمتنا من لدن سيدنا إبراهيم الخليل مرورًا بنبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى يوم الناس هذا، مؤكدةً هذه الذكريات في قلوبنا عراقة هذه الأمة واستحقاقها لميراث الأنبياء والمرسلين، أمة الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
إنني وأنا أعتبر نفسي واحدًا من هذه الأمة المهضومة الجناح، وواحد من الذين رضوا لأنفسهم طريق الجهاد دفاعًا عن الدين والأمة، أريد أن أغتنم فرصة العيد لأقفَ مع العيد وقفات على عجل أُذكِّر فيها نفسي وأمتي فإن الذكرى تنفع المؤمنين، والله -عز وجل- الموفق.
الوقفة الأولى: الإمامة ثمنها الصبر واليقين.
{إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، أي: إمامًا جامعًا لخِصال الخير، هاديًا مهتديًا، إن هذه المرتبة العليَّة لم ينلها إبراهيم الخليل دون تعب وابتلاء، ولكن ابتلاه الله -عز وجل- فلما أتم ووفَّى بجميع ما ابتلاه الله -عز وجل- به من الشرائع وأصول الدين وفروعه جعله الله إمامًا وقدوةً للناس، قال -تعالى-: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} ، فهل يفقه القاعدون ويفقه الكسالى أن الإمامة في الدين لا تُنال بالقعود والتباكي على الأطلال؟! وكلهم يقرأ هذه الآية الكريمة ويقرأ تفسيرها ويعرف قول الشافعي -عليه رحمة الله-:"وهل يُمكَّن الرجل حتى يُبتلى"؟ ويعرف أن الإمامة في الدين إنما تنال بالصبر واليقين، قال -تعالى-: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ}
لا أظنُ أنني أجانب الصواب إن قلتُ أن أفقَه الناس بهذه المسألة هم المجاهدون في سبيل الله -عز وجل- علماؤهم وعوامهم، أولئك صدق فعلهم قولهم فبذلوا نفوسهم في سبيل إعزاز الدين، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُسوتهم حقًا في الصلاة، وأسوتهم في الصيام، وأسوتهم في الحج، وأسوتهم في الجهاد في سبيل الله -عز وجل- {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} والله جعل كل امرئٍ حسيب نفسه.