السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين يعلمهم ويزكيهم وإن كانوا من قبل لفي ضلالٍ مبين، وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى التابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، أما بعد:
أيها الإخوة، يعيش المرء في هذه الحياة الدنيا بين الحسنة والسيئة، يعيش بين الفرح والقرح، بين المنحة والمحنة، يعيش بين الانتصار والانكسار، تصيبه النعمة فيفرح فيقول: (رَبِّي أَكْرَمَنِ) ، ولربما تمادت به نشوة الفرح فقال: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي) ، أو قال: (هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَى) . وتصيبه المصيبة فيحزن وربما استغرب وقال: (أَنَّى هَذَا) ، ولربما استحكم منه اليأس والقنوط فيظن بالله ظن الجاهلية فيقول: (رَبِّي أَهَانَنِ) .
ولكون هذه القضية دقيقة الفهم قال الله عز وجل عن قوم: (وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللّهِ) ثم نبّه على قلة فهمهم للمعاني الخفية فقال يذمهم: (فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا) أي لا يقاربون فهم الحديث الذي لا يعقله إلا الفطناء، والفقه فهم ما يحتاج إلى إعمال الفكر.
لذلك أحببنا إخواني أن نقف مع بعض الآيات من كتاب الله تعالى في هذا السياق عسى أن نهتدي بهداه في هذه المسألة، والله المستعان.
لما أهبط الله عز وجل آدم من الجنة عهد إليه وإلى بنيه فقال: (اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ ... ) والهدى قال أبو العالية: الأنبياء والرسل والبيان، وقال الحسن البصري: الهدى هو القرآن، (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) قال ابن عباس: فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى) .
وقال عز وجل في سورة الأعراف: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) فنفى عمن اتبع هداه في آية طه الضلال والشقاء، ونهى عنه في آية الأعراف الخوف والحزن، والفرق أنّ