الصفحة 16 من 177

الحزن يتعلق بما قد مضى، والخوف يتعلق بما كان منتظرًا، فمن اتبع هدى الله سبحانه وتعالى حصل له المرغوب واندفع عنه المرهوب وهذا بعكس من لم يتبع هدى الله سبحانه وتعالى وكذب بآياته.

فالحياة الطيبة وأجر الآخرة جزاء العمل الصالح، قال عز وجل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) لا بد إذن لكل من عمل صالحًا أن يحييه الله سبحانه حياةً طيبة بحسب إيمانه وعمله، وهذا نظير قول الله تعالى: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ) . وفي المقابل: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي) أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) أي في الدنيا فلا طمأنينة له، بل صدره ضيقٌ حرجٌ لضلاله وإن كان متنعمًا في ظاهره. قال ابن عباس: (مَعِيشَةً ضَنكًا) قال: هي الشقاء. وقال الضحاك: هو العمل السيء والرزق الخبيث. والضنك هو الضيق، ويستعمل مجازًا في عسر الأمور في الحياة، وهو هنا بمعنى عسر الحال من اضطراب البال وتبلبله. والشقاء ثمرة الضلال ولو كان صاحبه غارقًا في المتاع، والحياة المقطوعة الصلة بالله ورحمته الواسعة ضنكٌ مهما يكن فيها من سعةٍ ومتاع، وما يضل الإنسان عن هدى الله إلا ويتخبط في القلق والحيرة والتكفّؤ والاندفاع من طرفٍ إلى طرف لا يستقر ولا يتوازن في خطاه، والشقاء قرين التخبط ولو كان في المرتع. والضلال والشقاء يذكرهما سبحانه كثيرًا في كلامه ويخبر أنهما حظ أعدائه، ويذكر الضد وهو الهدى والفلاح ويخبر أنهما حظ أوليائه.

وفي أم القرآن التي هي أجمع ما جاء في القرآن الكريم وما يحتاجه الإنسان وفيه نفعه ذكر الله سبحانه وتعالى الأمرين، فأمرنا أن نقول: (اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ) فذكر الهداية والنعمة وهما الهدى والفلاح، ثم قال: (غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) فذكر المغضوب عليهم وهم أهل الشقاء، والضالين وهم أهل الضلال، وكل من الطائفتين له الضلال والشقاء ولكن ذَكَر الله سبحانه وتعالى ما هو أظهر الوصفين في كل طائفة.

إذن فمتابعة هدى الله التي رتب عليها هذه الأمور هي تصديق خبره من غير اعتراض شبهة تقدح في التصديق، وامتثال أمره من غير اعتراض شهوة تمنع الامتثال، وعلى هذين الأصلين مدار الإيمان، تصديق الخبر وطاعة الأمر. والشبهات والشهوات أصل فساد العبد وشقائه في معاشه ومعاده، كما أنّ الأصلين الأولين -تصديق الخبر وطاعة الأمر- أصل سعادته وفلاحه في معاشه ومعاده.

والإعراض عن ذكر الله سبحانه وتعالى هي معصية، والمعاصي شرعًا: ترك المأمورات وفعل المحظورات من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وقد جاء معنى العصيان في كتاب الله عز وجل بألفاظٍ كثيرة، منها: الذنب، والخطيئة، والسيئة، والإثم، والفسوق، والفساد، وغيرها. والمعاصي كما هو معلومٌ تنقسم إلى نواقض وكبائر وصغائر.

الله سبحانه وتعالى يقرر أنّ ما يصيب العبد من مصائب إنما هي بسبب ذنوبه، قال عز وجل: (وَمَا أَصَابَكُم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت