الصفحة 17 من 177

مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) أي: مهما أصابكم أيها الناس من المصائب في أبدانكم وأموالكم وأولادكم وفي ما تحبون فإنما هو عن سيئاتٍ تقدمت لكم (وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) أي: من السيئات فلا يجازيكم عليها بل يعفو سبحانه وتعالى.

يقول صاحب التحرير والتنوير: ما أصابهم من ذلك البؤس هو جزاءٌ على ما اقترفوه من الشرك تنبيهًا يبعثهم ويبعث الأمة على أن يلاحظوا أحوالهم نحو امتثال رضى خالقهم ومحاسبة أنفسهم حتى لا يحسبوا أنّ الجزاء الذي أوعدوا به مقصورٌ على الجزاء في الآخرة بل يعلموا أنه قد يصيبهم الله بما هو جزاء لهم في الدنيا. والخطاب للمشركين ابتداءً ويشمل المؤمنين بطريق القياس وبما دل عليه شمول هذا الحكم لهم من الأخبار الصحيحة ومن آيات أخرى، وإذا كان ذلك ثابتًا بالنسبة لأناسٍ معينين كان فيه نذارةٌ وتحذيرٌ لغيرهم ممن يفعل من جنس أفعالهم أن تحل بهم مصائب في الدنيا جزاءً على أعمالهم زيادةً في التنكيل بهم. اهـ

وهذا نظير قول الله سبحانه: (وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ) أي: ضيَّق (عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ * وَلَا تَحُضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ... ) فدلّت الآية على أنّ الكرامة والإهانة إنما تسببا على عدم إكرام اليتيم والحض على طعام المسكين.

وفي سنن الترمذي أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:"لا تصيب عبدًا نكبةٌ فما فوقها أو دونها إلا بذنبٍ، وما يعفو الله عنه أكثر".

وفي باب العقوبات أيضًا من سنن ابن ماجه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"وإنّ الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه".

قد تصيب الصالحين نكباتٌ ومصائب وآلام فتكون بلوى وزيادة في الأجر لما يعلمه الله سبحانه وتعالى من عباده، وقد تصيب في المقابل المسرفين خيراتٌ ونعم إمهالًا واستدراجًا ولأسبابٍ غير ذلك مما لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى.

في نفس المعنى قال الله سبحانه وتعالى لنبيه: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ) فالخطاب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- والمراد جنس الإنسان، أي: ما أصابك من حسنةٍ في الدين والدنيا من رخاءٍ ونعمةٍ وعافيةٍ وسلامة فذاك من الله، أي من فضل الله سبحانه ومنِّه ولطفه ورحمته، فهو الذي منّ بها ويسّرها بتيسير أسبابها، (وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ) شدةٍ ومشقةٍ وأذى ومكروه فمن نفسك أي من قِبلِك ومن عملك أنت. قال السدّي والحسن والبصري وابن جريج وابن زيد: أي بذنبك. فالله سبحانه وتعالى سنّ منهجًا وشرع طريقًا ودل على الخير وحذّر من الشر، فحين يتبع الإنسان هذا المنهج ويسير في هذا الطريق ويحاول الخير ويحذر الشر فإنّ الله يعينه على الهدى كما قال: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) ويظفر الإنسان بالحسنة، وحين لا يتبع الإنسان منهج الله الذي سنّه ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت