يسلك طريقه الذي شرعه ولا يحاول الخير الذي دل عليه ولا يحذر الشر الذي حذّر منه؛ حينئذٍ تصيبه السيئة سواء في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معًا، ويكون هذا من عند نفسه لأنه هو الذي لم يتبع منهج الله.
اعلم أخي الكريم أنّ عقوبات الذنوب نوعان: شرعيةٌ وقدرية. وإذا أقيمت الشرعية رُفِعت العقوبات القدرية أو خُفِّفت، وإذا عُطِّلت العقوبات الشرعية استحالت قدرية وربما كانت أشد من الشرعية وربما كانت دونها، ولكن العقوبات القدرية تعم، والعقوبات الشرعية تخص؛ فإنّ المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أُعلِنت ولم تُنكر ضرّت العامة والخاصة.
والعقوبات القدرية أيضًا هي نوعان: نوعٌ يقع على القلوب والنفوس، ونوعٌ يقع على الأبدان والأموال، والتي تقع على القلوب أيضًا منها ما هو آلامٌ وجوديةٌ يضرب بها الله القلب، والثاني قطع المواد التي بها حياة القلب وصلاحه عنه وإذا قطعت عنه حصل له الضد, وعقوبة القلوب أشد العقوبتين وهي أصل عقوبة الأبدان, بل إنها تقوى وتزيد حتى تسري من القلب إلى البدن كما يسري ألم البدن إلى القلب.
والعقوبات التي على الأبدان أيضًا نوعان: نوعٌ في الدنيا، ونوعٌ في الآخرة، وشدتها بحسب ما رتب عليها من آثار، فليس في الدنيا ولا في الآخرة شر أصلًا إلا الذنوب وعقوباتها، وأصله من شر النفس وسيئات العمل، وهما الأصلان اللذان كان يستعيذ منهما النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته فيقول:"ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا"وسيئات الأعمال من شرور النفس، بل إنه من دعاء الملائكة للمؤمنين قولهم: (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ) ووقاية السيئات نوعان: أحدهما وقاية فعلها بالتوفيق فلا تصدر من الإنسان، والثاني وقاية جزائها بالمغفرة فلا يعاقب عليها.
وفي الجملة: الذنب لا يخلو من عقوبةٍ البتة، ولكن لجهد العبد لا يشعر بما هو فيه من العقوبة؛ لأنه بمنزلة السكران لا يشعر حتى إذا صحي شعر.
ومن خذلان الله لعبده أيضًا أن يذنب الذنب فلا يرى أثره عقب الذنب ولا يدري أنه يعمل، وعمله على التدريج شيئًا فشيئًا كما تعمل السموم، قال الله عز وجل: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا) وقال: (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) .
من الآيات التي ذكر الله فيها أثر الذنوب قول الله سبحانه: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ، (ظَهَرَ الْفَسَادُ) الفساد: هو سوء الحال وضد الصلاح، (ظَهَرَ) أي: بان واستعلن؛ في البر والبحر فساد معايشهم ونقصها وحلول الآفات بها وفي أنفسهم من