الأمراض والوباء وغير ذلك، وذلك بسبب ما قدمت أيديهم من الأعمال الفاسدة والمفسدة بطبعها. (لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا) أي عجّل لهم نموذجًا من جزاء أعمالهم في الدنيا لعلهم يرجعون عن أعمالهم التي أثّرت لهم من الفساد ما أثّرت فتصلح أحوالهم ويستقيم أمرهم، وما يذيقهم الله سبحانه وتعالى من العذاب هو بعض ما يستحقونه، وفي هذا تهديدٌ إن لم يقلعوا عن مساوئ أعمالهم كقول الله سبحانه: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ) .
والرجاء المستفاد في قوله: (لَعَلَّ) يشير إلى أنّ ما ظهر من فسادٍ كافٍ لإقلاعهم عما اكتسبوه وأنّ حالهم حال من يرجى رجوعه، فإن لم يرجعوا فقد تبيَّن تمردهم وعدم إجداء الموعظة فيهم.
قال مجاهد -هذا من لطائف الآية-: إذا ولي الظالم سعى بالظلم والفساد فيحبس الله بذلك القطر فيهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، ثم قرأ قول الله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) .
ثم قال الله سبحانه: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ) أي سيروا في الأرض وانظروا في مصير الأمم الذين سبقوا والذين أشركوا وكذبوا تجدون عاقبتهم شر العواقب؛ عذابٌ استأصلهم وذمٌّ ولعنٌ من خلق الله يتبعهم وخزيٌ متواصل، أي: فاحذروا أن تفعلوا فعلهم فتعاقبوا كعقوبتهم؛ فإنّ عدل الله سبحانه وتعالى في كل زمانٍ ومكان، وهذا كقول الله تعالى: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) قال ابن عباس:"يعني بالعذاب الأدنى: مصائب الدنيا وأسقامها وآفاتها وما يحل بأهلها مما يبتلي الله به عباده ليتوبوا إليه".
وإذا كان ظهور الفساد بسبب الذنوب فالمعاصي إذن هي إفسادٌ في الأرض والله عز وجل نهى عن الفساد فقال: (وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا) أي لا تفسدوا فيها بعمل المعاصي بعد أن أُصلِحت بالطاعات؛ فإنّ المعاصي تفسد الأخلاق والأعمال والأرزاق، وقوله: (بَعْدَ إِصْلاَحِهَا) حقيقة لأنّ الأرض خلقت من أول أمرها على صلاح. إذن ما يصيب الإنسان في نفسه وفي بدنه وماله إنما هو بسبب الذنوب، وما يحل بالمجتمع من آفات إنما أيضًا هو بسبب الذنوب، فعقوبات الذنوب كثيرة نذكر بعضًا منها:
فمن عقوبات الذنوب أنها تُزيل النعم وتُحل النقم، ومن أعظم النعم نعمة الإيمان، فلا يزال المجتمع بأفراده يفعل الآثام والذنوب حتى يضعف الإيمان وتتغير القلوب فتتغير الأعمال ويلتحق المجتمع بركب الفجار، قال الله عز وجل: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ) أي: ذلك العذاب الذي أوقعه الله بالأمم المكذبين وأزال عنهم ما هُم فيه من النعيم بسبب ذنوبهم وتغييرهم ما بأنفسهم؛ فإنّ الله تعالى لم يك مغير نعمة أنعمها على قومٍ من نعم الدين والدنيا إن ازدادوا لها شكرًا حتى يغيروا ما بأنفسهم من الطاعة إلى المعصية ويكفروا بنعمة الله تعالى ويبدلوها كفرًا، فإذا فعلوا ذلك غيّر الله عليهم جزاءً وفاقًا فيسلبهم إياها ويغيّرها عليهم كما غيروا ما بأنفسهم، والعكس إن غيَّروا