المعصية بالطاعة غيَّر الله تعالى العقوبة بالعافية والذل بالعز (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ، (وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ) وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:"ما نزل بلاءٌ إلا بذنب وما رُفع إلا بتوبة".
فإذا كنت في نعمةٍ فارعها * فإنّ الذنوب تزيل النعم
وحُطها بطاعة رب العباد * فرب العباد سريع النقم
كذلك من عقوباتها أنها تزيل النعم الحاضرة وتقطع النعم الواصلة، فإنّ نعم الله ما حُفِظ موجودها ولا استُجلِب مفقودها بمثل طاعته، فإذا أراد الله عز وجل حفظ نعمته على عبده ألهمه رعايتها بطاعته فيها، وإذا أراد زوالها عنه خذله -نعوذ بالله- حتى عصاه بها، ومن العجب علم العبد بذلك مشاهدةً في نفسه وغيره وسماعه لما غاب عنه ثم يقيم على معصية الله كأنه مستثنى من هذه الجملة أو مخصوصٌ من ذاك العموم.
ويُذكَر أنّ الإمام أحمد قال: وُجِدت في خزائن بعض بني أمية حنطة الحبة بقدر نواة التمرة وهي في صرّةٍ مكتوب عليها:"كان هذا ينبت في زمنٍ من العدل"وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه وتعالى بما أحدث العباد من الذنوب.
كذلك من عقوباتها أيضًا ما يلقيه الله عز وجل من الرعب والخوف في قلب العاصي، فمن خاف الله آمنه من كل شيء ومن لم يخفه أخافه من كل شيء، وما يدندن عنه اليوم من الأمن الاجتماعي والاقتصادي إنما هو بسبب ذنوب العباد، قال الله سبحانه: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) أي هؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له هم الآمنون يوم القيامة المهتدون في الدنيا والآخرة (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ) معناها لم يخلطوا إيمانهم بظلم، فهؤلاء: (لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) لهم الأمن من المخاوف والعذاب والشقاء ولهم الهداية إلى الصراط المستقيم، وإن لم يلبسوا إيمانهم بظلم مطلقًا لا بشركٍ ولا بمعاصٍ حصل لهم الأمن التام والهداية التامة، وإن لم يلبسوا إيمانهم بالشرك وحده ولكن يعملون المعاصي حصل لهم أصل الأمن والهداية وإن لم يحصل لهم الكمال، فينقص من أمنهم وهدايتهم بقدر ما نقص من إيمانهم، وهذا كقول الله تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) والمثل المضروب يراد به أهل مكة فإنها كانت مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها وهي آمنة كقول الله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا تُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا) يأتيها رزقها رغدًا هنيئًا سهلًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله -وأعظم نعمة هي نعمة بعثة النبي صلى الله عليه وسلم- فأذاقها الله لباس الجوع والخوف أي ألبسها الجوع و [الخوف] بعد أن كانت آمنةً يأتيها