الصفحة 21 من 177

رزقها رغدًا من كل مكان.

كذلك من عقوبات الذنوب أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب فتقع الوحشة بين المذنب وبين ربه، بل بينه وبين الخلق وبينه وبين الناس، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة، وأمرُّ العيش عيش المستوحشين الخائفين، وأطيب العيش عيش المستأنسين، وسر المسألة أنّ الطاعة توجب القرب من الله سبحانه وكلما اشتد القرب قوي الأنس، والمعصية توجب البعد من الرب، وكلما زاد البعد قويت الوحشة، والوحشة سببها الحجاب، والحجاب سببه الذنوب. قال ابن عباس رضي الله عنه:"إنّ للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمةً في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصانًا في الرزق، وبغضًا في قلوب الخلق".

من عقوباتها أيضًا أنها تباعد بين العبد والمَلَك وتقربه من الشيطان، قال بعض السلف: إذا أصبح ابن آدم ابتدره الملك والشيطان فإن ذكر الله وكبّره وحمده وهلّله طرد الملك الشيطان وتولاه، وإن افتتح بغير ذلك ذهب الملك عنه وتولاه الشيطان، ولا يزال الملك يقرب من العبد حتى يصير الحكم والطاعة والغلبة له فتتولاه الملائكة في حياته وعند موته وعند مبعثه. وهذا قوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) ، والملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم، وإذا كان ابن آدم يتأذى ممن يفجر ويعصي الله بين يديه وإن كان هو قد يعمل عمله؛ فما الظن بأذى الملائكة الكرام الكاتبين؟ كذلك المعاصي تزرع أمثالها حتى يعز على العبد أن يفارقها، كما قال بعض السلف: إنّ من عقوبة السيئة السيئة بعدها، ومن ثواب الحسنة الحسنة بعدها.

كذلك من عقوباتها أنها تستجلب على العبد مراد هلاكه في الدنيا وفي الآخرة؛ لأن الذنوب تمرض القلوب، فالمعصية تفسد وتنكس وتزيغ القلب فيصبح القبيح لديه حسنًا والحسن قبيحًا والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا حتى يصدق فيه قول الله سبحانه: (وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) ، عظمة الله في قلب العبد هي التي تقتضي منه تعظيم حرماته التي تحول بينه وبين الذنوب.

وكذلك من عقوبة الذنوب: الذل والصغار الذي يصيب العاصي، أخرج أحمد من حديث ابن عمر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:"بعثت بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف أمري ومن تشبّه بقومٍ فهو منهم"وهذا كقول الله تعالى في بني إسرائيل: (فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) ، قال ابن رجب في شرح الحديث: هذا يدل على أنّ العز والرفعة في الدنيا والآخرة بمتابعة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لامتثال متابعة أمر الله، قال تعالى: (مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ) وقال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) وقال: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا) وقال: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) ، إذن فالذلة والصغار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت