يحصل بمخالفة أمر الله ورسوله.
ومخالفة الرسول -صلى الله عليه وسلم- على قسمين: الأول: مخالفة من لا يعتقد طاعة أمره كمخالفة الكفار وأهل الكتاب، فهم تحت الذلة والصغار. والثاني: من اعتقد طاعته ثم خالف أمره بالمعاصي التي يعتقد أنها معصية، فله نصيبٌ من الذلة والصغار.
ألا إنما التقوى هي العز والكرم * وحبك للدنيا هو الذل والسقم
وليس على عبدٍ تقي نقيصةٌ * إذا حقق التقوى وإن حاك أو حجم
إذن فأهل هذا النوع خالفوا الرسول من أجل داعي الشهوات، ونوعٌ آخر -الثاني- خالف أمره من أجل الشبهات وهم أهل الأهواء والبدع، ولكلٍ نصيبٌ من الذلة والصغار بحسب مخالفتهم لأوامره صلى الله عليه وسلم، (إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ) وكما قال الحسن البصري: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البراذين فإنّ ذل المعصية في رقابهم أبى الله إلا أن يذل من عصاه. وكان الإمام أحمد يدعو: اللهم أعزنا بالطاعة ولا تذلنا بالمعصية.
ومن أعظم ما حصل به الذل من مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ترك ما كان عليه من جهاد أعداء الله، فمن سلك سبيل الرسول صلى الله عليه وسلم عز، ومن ترك الجهاد مع قدرته عليه ذل، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"إذا تبايعتم بالعينة واتّبعتم أذناب البقر وتركتم الجهاد في سبيل الله سلّط الله عليكم ذلًا لا ينزعه من رقابكم حتى تراجعوا دينكم"انتهى شرح ابن رجب بتصرفٍ يسير.
ومن الأحاديث المروية في آثار الذنوب حديث ابن عمر، قال: أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:"يا معشر المهاجرين خمسٌ إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قومٍ قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلّط عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم"وانظر صحيح الجامع.
إذن إن لم تردعك هذه العقوبات ولم تجد لها تأثيرًا في قلبك فاستحضر بعض العقوبات التي رتّبها الله تعالى على الذنوب وجوِّز وصولها إليك واجعل ذلك داعيًا للنفس إلى هجرانها (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) ، (فَلْيَحْذَرِ) أي: ليتيقظ ويحترز، وذلك باجتناب