المخالفة، (الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) أي يصدون ويعرضون عن طريقته وسنته ومنهاجه وما كان عليه من سيرٍ في الحياة، والفتنة هي البلاء بأنواع النقم وبنعمٍ تستدرج إلى النقم، والعذاب الأليم يوم القيامة.
يقول الشيخ ابن باديس -رحمه الله- في شرحه للآية: مخالفة السنة النبوية والهدي المحمدي وما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تنفيذ شرع الله وتطبيق أحكامه وتمثيل الإسلام تمثيلًا عمليًّا؛ تلك المخالفة هي سبب كل بلاءٍ لحق المسلمين حتى اليوم بحكم صريح هذه الآية، وقد ذكر المفسرون في تفسير الفتنة أشياء على وجه التمثيل لا على وجه الحصر والتحديد، فذكروا الكفر والقتل والاستدراج بالنعم وقسوة القلب من معرفة المعروف والمنكر والطبع على القلب حتى لا يفقه شيئًا، وكل هذا قد أصاب المسلمين بسبب مخالفتهم، غير أنّ أعظم الفتنة فيما نرى هو ما قاله الإمام جعفر الصادق: أن يسلَّط عليهم سلطانٌ جائر، فإنه إذا جار السلطان -وهو من له السلطة في تدبير أمر الأمة والتصرف في شؤونها- فسد كل شيء، فسدت القلوب والعقول والأخلاق والأعمال والأحوال وانحطّت الأمة في دينها ودنياها إلى أحط الدرجات أو الدركات ولحقها من جرائه كل شرٍّ وبلاءٍ وهلاك، ثم يتفاوت ذلك الفساد بحسب ذلك الجور في قدره وسعته ومدة بقائه، هذا إذا كان ذلك الجائر من جنسها ويَدين بحسب ظواهره دينَها، فكيف إذا لم يكن من جنسها ولا دينها في شيء؟ حقًّا إنّ أعظم ما لحق الأمم الإسلامية من الشر والهلاك كله جاءها على السلاطين الجائرين منها ومن غيرها، وهذا ما يشهد به تاريخها في ماضيها وحاضرها. لقد شعر المسلمون عمومًا بالبلايا والمحن التي لحقتهم وفي أولها سيف الجور المُنصب على رؤوسهم، وأدرك المصلحون منهم أنّ سبب ذلك هو مخالفتهم عن أمر نبيهم -صلى الله عليه وسلم- فأخذت صيحات الإصلاح ترتفع في جوانب العالم الإسلامي في جميع جهات المعمورة تدعو الناس إلى معالجة أدوائهم بقطع سببها واجتثاث أصلها وما ذلك إلا بالرجوع إلى ما كان عليه محمدٌ -عليه الصلاة والسلام- وما مضت عليه القرون الثلاثة المشهود لها منه بالخير في الإسلام، وقد أخذ المسلمون يصيخون أسماعهم ويستجيبون أفواجًا أفواجًا لداعي الإصلاح أينما دعاهم، وفي ذلك والحمد لله ما يقوي الرجاء والأمل ويبعث على الجد والعمل. اهـ
إنّ الله رحيمٌ بعباده يحب توبتهم وهدايتهم، قدّر عليهم بعض عقوبات ذنوبهم لعلّهم يرجعون إليه بالتوبة والإصلاح فيتوب عليهم ويكشف عنهم العذاب (فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ) قال ابن جبير: غشيهم العذاب كما يغشى الثوب القبر فلمّا صحّت توبتهم رفع الله عنهم العذاب.
يقول السيد قطب -رحمه الله- في تفسير الآية: وعند هذا الموقف الذي تظهر فيه حتمية سنن الله العامة وانتهاؤها إلى نهايتها المرسومة متى تعرّض لها الإنسان باختياره تفتح نافذةٌ مضيئةٌ بآخر شعاعٍ من أشعة