إبراهيم سمعنا وأطعنا , ويأخذ المرأة الضعيفة والصبي الضعيف ويتركهما حيث أمر الله , أتعجبُ من هذا؟ أم تعجب من تلك المرأة الضعيفة لما تقول لإبراهيم عليه السلام وهو راجع: أالله أمرك يا إبراهيم؟ قال: نعم , قالت: فإذاً لن يضيعنا , أي اليقينين يعجبك؟ وأي اليقينين يهز مشاعر المسلمين؟! فتقول المرأة على ضعفها فإذا الله سبحانه هو الآمر فنفذ ولن يضيعنا الله عز وجل , وهذا هو اليقين الذي يحتاجه المسلمون في طريقهم إلى الله عز وجل , الله أمرنا بالتوحيد ولن يضيعنا , والله أمرنا بالبراءة من المشركين والطواغيت ولن يضيعنا وأمرنا بجهادهم ولن يضيعنا , فهي إحدى الحسنيين إما نصر وإما جنة.
فلتكن لنا في إبراهيم أسوة , ولتكن لنا في هاجر اسوة , وكذلك كان سائر الأنبياء والمرسلين ومن سار على هديهم ودربهم , ويبتلى إبراهيم ابتلاء آخر ويأمره الله سبحانه , قلت بعد أن شب الغلام وبدأ في السعي يأمره أن يذبح إسماعيل اختباراً له وامتحان , هل نال حب إسماعيل من حب الله في قلب إبراهيم أم أن إبراهيم لا زال قلبه صافيا خالصا لله عز وجل.
(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) لما بلغ معه السعي , لما زالت مشقته واقتربت منفعة الغلام وبدأ يسعى مع أبيه وبدأ يجري هنا وهناك يأمره الله عز وجل أن يذبحه ورؤيا الأنبياء وحي كما يقال (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) , وهذه ثمرة التربية وثمرة التنشئة على دين الله عز وجل حينما يشب الغلام منذ نعومة أظفاره على الدين , وعلى حب الله و حب ما عند الله عز وجل , وخوف الله وخوف ما أعده الله للعاصين والمشركين والظالمين , هذا هو الثمرة , (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ) , افعل ما أمرك الله به , ما كنت لأكون نقطة فتنة لك ومشقة لك ومعصية لك , ما كنت لأحملك على أن تعصي الله عز و جل , فالتقت التضحية من إبراهيم والتضحية من إسماعيل (قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) ولم يقطع لنفسه بالقوة والصبر وإنما علق ذلك بالله قال (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) , ويقترب إبراهيم من ساعة الحسم ومن لحظة الابتلاء على حقيقتها (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) , إن الله غني عنا وغني عن كل العالمين إنما يبتلينا ليظهر ما فينا من صدق أو من كذب (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) .
إن الله ابتلى عباده الأنبياء والمرسلين و أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل , وكلما زاد إيمان العبد زيد في بلائه ليظهر صفاء ونقاء سريرته ومدى خلوص قلبه وفؤاده لله عز و جل , نجح إبراهيم في الامتحان وظهر أن قلبه لله سبحانه وتعالى لم ينل منه إسماعيل شيئا , وظهرت التربية والاصطفاء لإسماعيل وسلم نفسه لأمر الله عز وجل (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا)
هذا هو المقصد من الابتلاء أن يظهر صدقك وتصديقك وتنفيذك لأمر الله عز وجل فلن يبقى من الأمر إلا أن يمر إبراهيم السكين على عنق إسماعيل ثم جاءت رحمة الله عز وجل (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) .
إذاً فدى الله سبحانه إسماعيل بذلك الذبح العظيم وبقيت سُنة في المسلمين , واليوم ينحر الناس أضحياتهم ويتذكرون ذلك الحدث العظيم وذلك المشهد العظيم الذي كان بين إبراهيم وبين ابنه إسماعيل عليهما السلام وعلى نبينا الصلاة والسلام.
هذا هو الذي جعل من ذلك الرجل العظيم إماماً (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) بأوامر ونواهٍ , (فَأَتَمَّهُنَّ) فنفذهن , (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامَاً) والإمامة أن يكون في الصدارة وأن يقتدى ويهتدى بفعله وهديه (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) .
فإذاً الإمامة والصدارة لا تنال بالظلم ولا تنال بالمعاصي ولا تنال بالكفر , وإنما تنال بطاعة الله عز وجل , ما عند الله لا ينال إلا بالطاعة (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) .