السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله، الحمد لله وحده، وصلى الله وسلَّم على محمَّد وعلى آله وصحبه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أمَّا بعد؛
ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبِّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، ربِّ اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني يفقهوا قولي.
أردت إخواني في الله عزَّ وجلَّ من خلال هذه الجلسة أن أجمع لكم فقراتٍ من أقوال أهل العلم، ربما عزوتها وربما ذكرتها من غير عزو، تذكيرًا لنفسي الخاطئة وتذكيرًا لإخوتي (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ) ، عسى أن نتزوَّد بها في جهادنا وفي سفرنا إلى الدار الآخرة، والله عزَّ وجلَّ يقول: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) .
ممَّا لا شكَّ فيه -إخوة الإسلام والجهاد- أنَّ الأحوال التي يمرُّ بها المجاهدون تحتاج إلى تفكُّر عميق ونظر متجرِّد من غير تهويل ولا تبسيط، عسى أن نستوعب الحال والمآل ونقف على الداء والدواء ونواصل المسير من غير كللٍ ولا ملل.
الحوادث العظام لا يدعها العقلاء تمرُّ عليهم من غير تدبُّر واعتبار، والمواعظ والنذر قد تُكسِب بعض النفوس كمالًا وبعضها نقصًا، نسأل الله سبحانه حسن الاعتذار والتوبة.
الدنيا دار الابتلاء، والخلق مسافرون إلى الدار الآخرة، وكلُّ الناس يغدو فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها، ومن أعظم ما أعان الله به عباده على وُعورة السفر كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد روى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجَّة الوداع:"إنِّي قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا: كتاب الله، وسنَّة نبيِّه صلى الله عليه وسلم"، فمن اعتصم بهما اهتدى واتَّسع قلبه لتحمُّل الأتعاب، وعند الصباح يحمد القوم السُّرَى.
بيَّن الله في كتابه الغاية التي خلقنا من أجلها فقال: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ،قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسير الآية:"ومعنى الآية أنَّ الله خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له فمن أطاعه جازاه أتمَّ الجزاء ومن عصاه عذَّبه أشدَّ العذاب، وأخبر أنَّه غير محتاج إليهم بل هم الفقراء في جميع أحوالهم وهو خالقهم ورازقهم". انتهى قوله -رحمه الله-.
والعبادة المذكورة في الآية كما عرَّفها شيخ الإسلام هي: اسم جامع لكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، هي طاعة الله بامتثال ما أمر الله به على ألسنة الرسل، فدين الإسلام مبنيٌّ على أصلين: