إن الإصلاح السياسي والتعليمي أخوان للإصلاح الديني .. وهو الغاية من إرسال الله تعالى الرسل إلى الناس .. والمضطلعون بمهمة الإصلاح بعد الرسول صلوات الله عليه وسلامه وخلفائه الراشدين علماءُ الأمة الإسلامية، فإن «العلماء هم ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر» ..
وقيادة العمل الإصلاحي للجماعات والشعوب والأمم لا يتولاه إلا من أوتي الأمانة والكفاءة .. هذه الخطوة المسدّدة التي خطاها ابن باديس هي حجر الأساس في نهضة الجزائر الإسلامية، التي حررت الكتب؛ وهيأت الكتائب ليوم الكريهة وسداد الثغر ..
قال الشيخ الإبراهيمي في رثاء رفيق دربه الشيخ ابن باديس رحمهما الله:"وعزاء فيك لأمّة أردت رشادَها، وأصلحت فسادَها، ونفقت كسادَها، وقوّمت منآدها، وملكتَ بالاستحقاق قيادَها، وأحسنتَ تهيئتها للخير وإعدادَها، وحملتها على المنهج الواضح، والعلمَ اللائح، حتى أبلغتها سدادَها، وبنيت عقائدها في الدين والحياة على صخرة الحق، ومثلك مَن بنى العقائد وشادها، أعليت اسمها بالعلم والتعليم، وصيّرت ذكرها محل تكريم وتعظيم، وأشربتها معاني الخير والرحمة والمحبة والصدق والإحسان والفضيلة فكنت لها نعم الراحم وكنت بها البر الرحيم. ولقد حييتَ فما كانت لفضلك جاحدة، ومتّ فما خَيَّبتْ من آمالك إلا واحدة"
-وهذه الواحدة - هي القيام بثورة جارفة تكتسح الاستعمار الفرنسي، وتنتزع بها منه حريتها واستقلالها، فهذه هي الأمنية التي كنا نتناجى بها ونعمل لتصحيح أصولها.
ويدور الزمان دورته .. وما أشبه سياسة اليوم بسياسة فرنسا الأم .. جاء الاستقلال .. فماذا كان جزاء الذين بنوا الأمة وهيؤوها لساعة النزال؟ .. التهميش والسجون والإقامة الجبرية .. والدين المظلوم اليوم في الجزائر - كما كان أيام فرنسا - هو الإسلام: مظلوم من أهله، إذ لم يدافعوا عنه، ولم يأخذوا له بحقه من ظالمه، ومظلوم من هذه الحكومات المتلونة التي تحكم الجزائر بما تمليه القوّة، لا بما يُوحيه الحق والعدل ..
والمقصد واحد تجهيل الأمّة لئلا تفيق بالعلم فتسعى في الانفلات .. وتفقيرها لئلا تستعين بالمال على الثورة .. وتفسيقها كي تبقى أسيرة الشهوات .. تحتفل الجزائر منذ الستينات بيوم للعلم .. لكن: ما حال العلم والتربية بعد كل هذه السنوات؟
الواقع يشهد أن المدرسة الجزائرية العلم فيها ضعيف يكاد يقتله الهزال .. وغابت التربية .. وفي الأفق نذر التحلل والانحلال .. وإذا أصيب القوم في أخلاقهم فأقم على الناس مأتما وعويلا .. والقادم أدهى وأمر .. إن تمجيد العلم والعلماء ليس يوما .. إنما هو نفَس وسياسة تنتهج لتنشئة الأجيال على العلم والعمل المستقى من دين الأمة وثوابتها .. لامن