إلا هالك، وسيِّد الناس في هذا المقام بل وفي كلِّ مقام: محمَّد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنَّه قام بأداء الرسالة وإبلاغها إلى أهل المشارق والمغارب، ثمَّ ورث مقامَ البلاغ عنه أمَّتُه من بعده، فكان أعلى من قام بها بعده أصحابه -رضي الله عنهم-، ثمَّ ورثه كلُّ خَلَف عن سَلَفهم إلى زماننا هذا، فبنورهم يقتدي المهتدون وعلى منهجهم يسلك المُوَفَّقون، نسأل الله الكريم المنَّان أن يجعلنا من خَلَفِهم.
إذن انقسمت الخليقة مع دعوة الرسل إلى مصدِّق ومكذِّب -كما أسلفنا-، وقدَّر سبحانه العداوة بين الفريقين، وأمر أتباع الرسل بجهاد أتباع الشيطان قال عزَّ وجلَّ: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ) أي: كان موجب هذا الاختلاف التفرُّق والمعاداة والمقاتلة، يقول سيد قطب -رحمه الله- في تفسير الآية:"وحين يصل الاختلاف إلى هذا المدى فيكون اختلاف كفر وإيمان يتعيَّن القتال، يتعيَّن لدفع الناس بعضهم ببعض، دفع الكفر بالإيمان، والضلال بالهدى، والشرِّ بالخير، فالأرض لا تصلح بالكفر والضلال والشرِّ، ولا يكفي أن يقول قوم إنَّهم أتباع أنبياء إذا وصل الاختلاف بينهم إلى حدِّ الكفر والإيمان، وهذه هي الحالة التي كانت تواجهها الجماعة المسلمة في المدينة يوم نزل هذا النص؛ كان المشركون في مكة يزعمون أنَّهم على ملَّة إبراهيم، وكان اليهود في المدينة يزعمون أنَّهم على دين موسى، كما كان النصارى يزعمون أنَّهم على دين عيسى، ولكن كلُّ فرقة من هؤلاء كانت قد بعدت بعدًا كبيرًا عن أصل دينها وعن رسالة نبيِّها وانحرفت إلى المدى الذي ينطبق عليه وصف الكفر، وكان المسلمون عند نزول هذا النص يقاتلون المشركين من العرب كما كانوا على وشك أن يُوجَّهوا إلى قتال الكفار من أهل الكتاب، ومن ثَمَّ جاء هذا النص يقرر أنَّ الاقتتال بين المختلفين على العقيدة إلى هذا الحدِّ هو من مشيئة الله وبإذنه (وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا اقْتَتَلُوا) ، ولكنه شاء ليدفع الكفر بالإيمان، وليقرَّ في الأرض حقيقة العقيدة الصحيحة الواحدة التي جاء بها الرسل جميعًا فانحرف عنها المنحرفون، وقد علم الله أنَّ الضلال لا يقف سلبيًّا جامدًا إنَّما هو ذو طبيعة شريرة؛ فلا بدَّ أن يعتدي، ولا بدَّ أن يحاول إضلال المهتدين، ولا بدَّ أن يريد العوج ويحارب الاستقامة، فلا بدَّ من قتاله لتستقيم الأمور، هذه الحقيقة التي قرَّرها الله للجماعة المسلمة في المدينة حقيقةٌ مطلقة لا تتقيَّد بزمان". انتهى كلامه -رحمه الله-.
ما أشبه الليلة بالبارحة! طريق الرسل طريق المحنة والبلاء، وعلى المسلم تحمُّل تبعات انتمائه للإسلام، فطريق التدافع والاقتتال ليس مفروشًا بالورود وليس سهل العبور، وبين السَّرَّاء والضَّرَّاء تصقل المعادن وتتمحَّص النفوس والصفوف، عزَّ وجلَّ قال: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ وَالجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) ، يقول السعدي -رحمه الله- في تفسير الآية:"وهذه سنَّته تعالى في عباده لأنَّ السَّرَّاء لو استمرَّت لأهل الإيمان ولم يحصل معها محنة لحصل الاختلاط الذي هو فساد،"