الصفحة 4 من 177

الذي به صلاح العمل، فمن وُفِّق لطلبه وأُعِين عليه فذاك، وإلا فقد أرشده الله تعالى بقوله: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) .

رابعًا: على المسلم أن يضطلع بما كلَّفه الله تعالى به في هذه الدنيا من العمل على إقامة دينه وشرعه، فكلُّ سعيٍ يُراد به التمكين لدين الله وكلُّ علمٍ نافعٍ دينيٍّ أو دنيويٍّ يكون به الغلبة لأهل الإسلام فتحصيله على أهل الإسلام من فروض الكفايات كما صرَّح بذلك العلماء رحمهم الله.

خامسًا: إذا كان الله تعالى قد جعل الإنسان خليفة في الأرض فقد جرت سنَّة الله في خلقه بالتدافع بين الحقِّ والباطل، وأنَّه لا محلَّ ولا منزلة في هذه الحياة لأمَّة من الأمم إلا إذا كانت مرهوبة الجانب؛ جمعت بين سلطان الكتاب وسلطان الحديد، وإلا تسلَّط عليها غيرها من الأمم، وليست أمَّة الإسلام بمعزل عن هذه السنَّة الكونية.

أمَّا من أعظم نعم الله على البشرية بعثة الأنبياء والمرسلين، الله عزَّ وجلَّ قال: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ) ، لم يزل الله سبحانه يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في قوم نوح الذين أُرسِل إليهم إلى أن ختمهم ربُّنا بمحمَّد صلى الله عليه وسلم، ودلَّت الآية على أنَّ الحكمة في إرسال الرسل؛ وكلُّهم متَّفقون على دعوة واحدة ودين واحد: أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت. والطاغوت كما ذكره ابن القيم -عليه رحمة الله-:"هو كلُّ ما تجاوز به العبد حدَّه من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كلِّ قومٍ من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله أو يتَّبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه في ما لا يعلمون أنَّه طاعة لله، فهذه طواغيت العالم إذا تأمَّلتها وتأمَّلت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم أعرض عن عبادة الله تعالى إلى عبادة الطاغوت وعن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طاعة الطاغوت ومتابعته".

دلَّت الآية أيضًا أنَّ البشرية اختلفت وانقسمت؛ فمنهم من هدى الله فاتَّبعوا المرسلين علمًا وعملًا، ومنهم من حقَّت عليه الضلالة فاتَّبع سبل الغيِّ ثم قال: (فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ) أي: بأبدانكم وقلوبكم، (فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ) من خلال سنن الله في المتَّقين والمكذِّبين، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) .

وللعلم؛ إعراض من أعرض لم يكن لخللٍ في الرسالة أو تقصيرٍ من الرسول كلاَّ وحاشا؛ إنَّما خذلان من الله لهم لما في قلوبهم من الكبر والإباء عن اتِّباع الحقِّ، فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنَّه لم يكن نبيٌّ قبلي إلا كان حقًّا عليه أن يدلَّ أمَّته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرَّ ما يعلمه لهم"، فقد بيَّنوا -عليهم السلام- للناس حقيقة التوحيد وأحكام العبادات، ووسائل تزكية النفوس، وإصلاح الفرد والمجتمع، وتركوهم على المحجَّة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت