وروى مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده من حديث سلمة ابن الأكوع الطويل، وفيه، قال سلمة رضي الله عنه: (قدمنا المدينة زمن الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت أنا و رباح - غلام النبي صلى الله عليه وسلم - بظهره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخرجت بفرس ل طلحة بن عبيد الله أريد أن أنديه مع الإبل، فلما كان بغلس، أغار عبد الرحمن بن عينية على إبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل راعيها، وخرج يطردها وأنا معه في الخيل، فقلت؛ يا رباح! اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد أُغير على سرحه، قال؛ وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة، ثم ناديت ثلاث مرات؛"يا صباحاه"، قال؛ ثم اتبعت القوم معي بسيفي ونبلي، فجعلت أرميهم, اعقر بهم) ، إلى أن قال رضي الله عنه: (فما برحت مقعدي ذلك، حتى نظرت إلى فوارس رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخللون الشجر، وإذا أولهم الأخرم الأسدي و على إثره أبو قتادة الأنصاري وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذت بعنان الأخرم، فقلت؛"يا أخرم! احذرهم لا يقتطعونك، حتى يلحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه"، قال؛"يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة"، قال؛ فخليته، فالتقى هو وعبد الرحمن بن عينية، فعقر بعبد الرحمن فرسه، وطعنه عبد الرحمن فقتله، وتحول على فرسه، ولحق أبو قتادة بعبد الرحمن فقتله .. . الحديث) .
قال النووي رحمه الله في فوائد الحديث: (ومنها؛ ما كانت الصحابة رضي الله عنهم عليه من حب الشهادة والحرص عليها، ومنها؛ إلقاء النفس في غمرات القتال, وقد اتفقوا على جواز التغرير بالنفس في الجهاد في المبارزة ونحوها، ومنها؛ أن من مات في حرب الكفار بسبب القتال يكون شهيدا سواء مات بسلاحهم أو رمته دابة أو غيرها, أو عاد عليه سلاحه) [1] .
قال ابن النحاس رحمه الله: (وفي هذا الحديث الصحيح أدل دليل على جواز حمل الواحد على الجمع الكثير من العدو وحده، وإن غلب على ظنه أنه يقتل، وإذا مخلصًا في طلب الشهادة، كما فعل الأخرم الاسدي رضي الله عنه، ولم يعب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك عليه، ولم ينه الصحابة عن مثل فعله، بل في الحديث دليل على استحباب هذا الفعل وفضله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم مدح ابا قتادة وسلمة على فعلهما، مع أن كل واحد منهما حمل على العدو وحده، ولم يتأن إلى أن يلحق به المسلمون) اهـ
وقد أفتى جماعة من أهل العلم المعاصرين بجواز هذه العمليات، ومن أشهر من أفتى بذلك:
1.الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين.
(1) شرح مسلم، كتاب الجهاد والسير، ج 12/ 327، باب غزوة ذي قرد.