(فأما إذا كان يعلم أنه لا ينكي فيهم، فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم) ، ثم قال السرخسي في شرحه تعليقًا على الشيباني: (فالشرط أن تكون حملته تنكي فيهم ظاهرًا) [1] .
وقال أيضا رحمه الله فيما حكاه عنه الإمام أبي بكر الجصاص نقلًا عن"السير الكبير": (أن رجلا لو حمل على ألف رجل وهو وحده، لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية؛ فإني أكره له ذلك لأنه عرض نفسه للتلف من غير منفعة للمسلمين، وإنما ينبغي للرجل أن يفعل هذا إذا كان يطمع في نجاة أو منفعة للمسلمين، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه يجزئ المسلمين بذلك حتى يفعلوا مثل ما فعل فيقتلون وينكون في العدو فلا بأس بذلك إن شاء الله، لأنه لو كان على طمع من النكاية في العدو ولا يطمع في النجاة لم أر بأسا أن يحمل عليهم، فكذلك إذا طمع أن ينكى غيره فيهم بحملته عليهم فلا بأس بذلك، وأرجو أن يكون فيه مأجورًا، وإنما يكره له ذلك إذا كان لا منفعة فيه على وجه من الوجوه، وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه مما يرهب العدو، فلا بأس بذلك لأن هذا أفضل النكاية وفيه منفعة للمسلمين) [2] .
وقال الإمام أبي بكر الجصاص بعد ذكره لكلام محمد بن الحسن المذكور آنفًا: (والذي قال محمد من هذه الوجوه؛ صحيح لا يجوز غيره، وعلى هذه المعاني يحمل تأويل من تأول في حديث أبي أيوب، أنه ألقى بيده إلى التهلكة بحمله على العدو، إذ لم يكن عندهم في ذلك منفعة، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن يتلف نفسه من غير منفعة عائدة على الدين ولا على المسلمين، فأما إذا كان في تلف نفسه منفعة عائدة على الدين فهذا مقام شريف مدح الله به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ} ، وقال {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ، وقال {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} ) .
قال ابن حجر رحمه الله: (وأما مسألة؛ حمل الواحد على العدد الكثير من العدو، فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن, ومتى كان مجرد تهور فممنوع, ولا سيما إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين, والله أعلم) [3] .
(1) انظر شرح السير الكبير 1/ 163 - 164
(2) أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد الرواي الجصاص، ج 3 / ص 262 - 263، دار الفكر
(3) فتح الباري / كتاب التفسير / باب"وانفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين"/ الحديث: 4516 / ج 8 / ص 33 - 34