الصفحة 55 من 177

واستدل به الشيخ محمد بن إبراهيم - مفتي السعودية السابق - على صورة أخرى من صور إتلاف النفس لمصلحة الدين، وهي قتل الأسير لنفسه حتى لا يبوح بأسرار المسلمين، فكأن هذا الحديث صار أصلًا في المسألة تقاس عليه صورها المختلفة

ومن أمثلة ذلك قصة أنس بن النضر رضي الله عنه: بوب البخاري رحمه الله: (باب قول الله عز وجل {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} ، قال: حدثنا محمد بن سعيد الخزاعي، حدثنا عبد الأعلى عن حميد، قال: سألت أنسا، ح: حدثنا عمرو بن زرارة، حدثنا زياد، قال: حدثني حميد الطويل عن أنس رضي الله عنه، قال: (غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال؛ يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع! فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال؛ اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال؛ يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، فقال سعد؛ فما استطعت يا رسول الله ما صنع! قال أنس؛ فوجدنا به بضعا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس؛ كنا نرى - أو نظن - أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه، {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ .. . إلى آخر الآية} .

قال ابن حجر: (وفي قصة أنس بن النضر من الفوائد؛ جواز بذل النفس في الجهاد, وفضل الوفاء بالعهد ولو شق على النفس حتى يصل إلى إهلاكها, وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء إلى التهلكة، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والتورع وقوة اليقين) [1] .

قال ابن القيم رحمه الله في الفوائد المأخوذة من غزوة أحد: (ومنها؛ جواز الانغماس في العدو، كما انغمس أنس بن النضر وغيره) [2] .

قال محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة: (لا بأس بأن يحمل الرجل وحده - أي على العدو - وإن ظن أنه يقتل إذا كان يرى أنه يصنع شيئًا يقتل أو يجرح أو يهزم) ، ثم قال:

(1) فتح الباري / كتاب الجهاد والسير / باب قول الله عز وجل {ومن المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} ، حديث: 2805 / ج 6 / ص 26 - 29

(2) زاد المعاد، ج 3 / ص 211

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت