الصفحة 54 من 177

فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد، مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره، كان ما يفضى إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك، ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى.

وإذا كانت السنّة والإجماع متفقين على أن الصائل المسلم إذا لم يندفع صوله إلا بالقتل؛ قتل، وإن كان المال الذي يأخذه قيراطًا من دينار) [1] .

ويستفاد من هذه الحادثة أن الغلام قتل نفسه بأمره وإرادته بعد أن فشل الملك في قتله مرتين، فأخبره الغلام عن الطريقة التي يقتله بها، كما جاء في صحيح مسلم في حديث الغلام: (فقال للملك - أي الغلام -؛ إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، فقال؛ وما هو؟ قال؛ تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهمًا من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل؛ بسم الله رب الغلام، ثم أرمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهمًا من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال؛ باسم الله رب الغلام، ثم رماه في صدغه، فوضع يده في صدغه، في موضع السهم، فمات، فقال الناس؛ آمنا برب الغلام) .

كما أن المؤمنين الذين آمنوا بالغلام آثروا القتل بإرادتهم على الكفر؛ إظهارًا للدين، كما جاء في الحديث المذكور: (فأمر - أي الملك - بالأخدود في أفواه السكك، فخدّت، وأضرم النيران، وقال؛ من لم يرجع عن دينه فاحموه فيها - أو قيل له اقتحم - ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال لها الغلام؛ يا أمه اصبري فإنك على الحق) ، فدخولهم النار بأنفسهم لا يمكن أن يكون ظلمًا وعدوانًا ولا يمكن أن يقون إلقاء للنفس في التهلكة، بل إن هذا الفعل يحبه الله سبحانه ويمدحه ويترتب عليه من المصالح والحكم ما لا يعلمه إلا الله.

كذلك الحديث من قوة دلالته على المسألة - إتلاف المؤمن لنفسه من أجل مصلحة الدين - استدل به شيخ الإسلام رحمه الله على صورة أخرى من صور إتلاف النفس لمصلحة الدين - وهي الانغماس في صف الكفار - فقال رحمه الله: (روى مسلم في صحيحه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود، وفيها؛ أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين) .

(1) مجموع الفتاوي لابن تيمية: ج 28 / ص540.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت