فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 59

بيان معنى لا عدوى

و الصحيح الذي عليه جمهور العلماء: أنه لا نسخ في ذلك كله و لكن اختلفوا في معنى قوله: [ لا عدوى ] و أظهر ما قبل في ذلك: أنه نفي لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن هذه الأمراض تعدي بطبعها من غير اعتقاد تقدير الله لذلك و يدل على هذا قوله: [ فمن أعدى الأول ؟ ] يشير إلى أن الأول إنما جرب بقضاء الله و قدره فكذلك الثاني و ما بعده خرج الإمام أحمد و الترمذي [ من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: لا يعدي شيئا قالها ثلاثا فقال أعرابي: يا رسول الله النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: فما أجرب الأول لا عدوى و لا هامة و لا صفر خلق الله كل نفس و كتب حياتها و مصابها و رزقها ] فأخبر أن ذلك كله بقضاء الله و قدره كما دل عليه قوله تعالى: { ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها } فأما نهيه صلى الله عليه و سلم عن إيراد الممرض على المصح و أمره بالفرار من المجذوم و نهيه عن الدخول إلى موضع الطاعون فإنه من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله تعالى و جعلها أسبابا للهلاك أو الأذى

و العبد مأمور باتقاء أسباب البلاء إذا كان عافية منها فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء أو في النار أو يدخل تحت الهدم و نحوه مما جرت العادة بأنه يهلك أو يؤذى فكذلك اجتناب مقاربة المريض كالمجذوم أو القدوم على بلد الطاعون فإن هذه كلها أسباب للمرض و التلف و الله تعالى هو خالق الأسباب و مسبباتها لا خالق غيره و لا مقدر غيره و قد روي في حديث مرسل خرجه أبو داود في مراسيله أن النبي صلى الله عليه و سلم: مر بحائط مائل فأسرع و قال: [ أخاف موت الفوات ] و روي متصلا و المرسل أصح و هذه الأسباب التي جعلها الله أسبابا يخلق المسببات بها كما دل عليه قوله تعالى: { حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات } و قالت طائفة: إنه يخلق المسببات عندها لا بها

و أما إذا قوي التوكل على الله تعالى و الإيمان بقضائه و قدره فقويت النفس على مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادا على الله و رجاء منه أن لا يحصل به ضرر ففي هذه الحال تجوز مباشرة ذلك لا سيما إذا كان مصلحة عامة أو خاصة و على مثل هذا يحمل الحديث الذي خرجه أبو داود و الترمذي أن النبي صلى الله عليه و سلم: أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة ثم قال: [ كل باسم الله ثقة بالله و توكلا عليه ] و قد أخذ به الإمام أحمد و قد روي نحو ذلك عن عمر و ابنه عبد الله و سلمان رضي الله عنهم و نظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد رضي الله عنه: من أكل السم و منه: مشى سعد بن أبي وقاص و أبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر و منه: أمر عمر رضي الله عنه لتميم حيث خرجت النار من الحرة أن يردها فدخل إليها في الغار التي خرجت منه فهذا كله لا يصلح إلا لخواص من الناس قوي إيمانهم بالله و قضائه و قدره و توكلهم عليه و ثقتهم به و نظير ذلك دخول المغاور بغير زاد لمن قوي يقينه و توكله خاصة و قد نص عليه أحمد و اسحاق و غيرهما من الأئمة و كذلك ترك التكسب و التطبب كل ذلك يجوز عند أحمد لمن قوي توكله فإن التوكل أعظم الأسباب التي تستجلب بها المنافع و تدفع بها المضار كما قال الفضيل: لو علم الله إخراج المخلوقين من قلبك و تستدفع لأعطاك كل ما تريد و بذلك فسر الإمام أحمد التوكل فقال: هو قطع الإستشراف باليأس من المخلوقين قيل له: فما الحجة فيه ؟ قال: قول إبراهيم عليه الصلاة و السلام لما ألقي في النار فعرض له جبريل عليه السلام فقال: ألك حاجة ؟ قال: أما إليك فلا

فلا يشرع ترك الأسباب الظاهرة إلا لمن تعوض عنها بالسبب الباطن و هو تحقيق التوكل عليه فإنه أقوى من الأسباب الظاهرة لأهله و أنفع منها

فالتوكل: علم و عمل و العلم: معرفة القلب بتوحيد الله بالنفع و الضر و عامة المؤمنين تعلم ذلك و العمل: هو ثقة القلب بالله و فراغه من كل ما سواه و هذا عزيز و يختص به خواص المؤمنين

و الأسباب نوعان: أحدهما: أسباب الخير: فالمشروع أنه يفرح بها و يستبشر و لا يسكن إليها بل إلى خالقها و مسببها و ذلك هو تحقيق التوكل على الله و الإيمان به كما قال تعالى في الإمداد بالملائكة: { و ما جعله الله إلا بشرى و لتطمئن به قلوبكم و ما النصر إلا من عند الله } و من هذا الباب الإستبشار بالفال: و هو الكلمة الصالحة يسمعها طالب الحاجة و أكثر الناس يركن بقلبه إلى الأسباب و ينسى المسبب لها و قل من فعل ذلك إلا وكل إليها و خذل فإن جميع النعم من الله و فضله كما قال تعالى: { ما أصابك من حسنة فمن الله } { و ما بكم من نعمة فمن الله } :

( لا نلت خيرا ما بعيت و لا عداني الدهر شر )

( إن كنت أعا أن غير الله ينفع أو يضر )

و لا تضاف النعم إلى الأسباب بل إلى مسببها و مقدرها كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه و سلم: [ أنه صلى بهم الصبح في أثر سماء ثم قال: أتدرون ما قال ربكم الليلة ؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي و كافر فأما المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله و رحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب و أما الكافر فقال: مطرنا بنوء كذا و كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب ] و في صحيح مسلم [ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: لا عدوى و لا هامة و لا نوء و لا صفر ] و هذا مما يدل على أن المراد نفي تأثير هذه الأسباب بنفسها من غير اعتقاد أنها بتقدير الله و قضائه فمن أضاف شيئا من النعم إلى غير الله مع اعتقاده أنه ليس من الله فهو مشرك حقيقة و مع اعتقاد أنه من الله فهو نوع شرك خفي

النوع الثاني: أسباب الشر: فلا تضاف إلا إلى الذنوب لأن جميع المصائب إنما هي بسبب الذنوب كما قال تعالى: { و ما أصابك من سيئة فمن نفسك } و قال تعالى: { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } فلا تضاف إلى شيء من الأسباب سوى الذنوب: كالعدوى أو غيرها و المشروع: اجتناب ما ظهر منها و اتقاؤه بقدر ما وردت به الشريعة مثل: اتقاء المجذوم و المريض و القدوم على مكان الطاعون و أما ما خفي منها فلا يشرع اتقاؤه و اجتنابه فإن ذلك من الطيرة المنهي عنها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت