فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 59

و أما العمل في ليلة القدر فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال: [ من قام ليلة القدر إيمانا و احتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ] و قيامها إنما هو إحياؤها بالتهجد فيها و الصلاة و قد أمر عائشة بالدعاء فيها أيضا قال سفيان الثوري الدعاء في تلك الليلة أحب إلي من الصلاة قال: و إذا كان يقرأ و هو يدعو و يرغب إلى الله في الدعاء و المسألة لعله يوافق انتهى و مراده أن كثرة الدعاء أفضل من الصلاة التي لا يكثر فيها الدعاء و إن قرأ و دعا كان حسنا و قد كان النبي صلى الله عليه و سلم يتهجد في ليالي رمضان و يقرأ قراءة مرتلة لا يمر بآية فيها رحمة إلا سأل و لا بآية فيها عذاب إلا تعوذ فيجمع بين الصلاة و القراءة و الدعاء و التفكر و هذا أفضل الأعمال و أكملها في ليالي العشر و غيرها و الله أعلم و قد قال الشعبي في ليلة القدر: ليلها كنهارها و قال الشافعي في القديم: استحب أن يكون اجتهاده في نهارها كاجتهاده في ليلها و هذا يقتضي استحباب الإجتهاد في جميع زمان العشر الأواخر ليله و نهاره و الله أعلم المحبون تطول عليهم الليالي فيعدونها غدا لانتظار ليالي العشر في كل عام فإذا ظفروا بها نالوا مطلوبهم و خدموا محبوبهم

( قد مزق الحب قميص الصبر ... و قد غدوت حائرا في أمري )

( آه على تلك الليالي الغر ... ما كن إلا كليالي القدر )

( إن عدن لي من بعد هذا الهجر ... وفيت لله بكل نذر )

( و قام بالحمد خطيب شكري )

رياح هذه الأسحار تحمل أنين المذنبين و أنفاس المحبين و قصص التائبين ثم تعود برد الجواب بلا كتاب

( أعلمتمو أن النسيم إذا سرى ... حمل الحديث إلى الحبيب كما جرى )

( جهل الحبيب بأنني في حبهم ... سهر الدجى عندي ألذ من الكرى )

فإذا ورد يريد برد السحر بحمل ملطفات الألطاف لم يفهمها غير من كتبت إليه

( نسيم صبا نجد متى جئت حاملا ... تحيتهم فاطو الحديث عن الركب )

( و لا تذع السر المصون فإنني ... أغار على ذكر الأحبة من صحبي )

يا يعقوب الهجر قد هبت ريح يوسف الوصل فلو استنشقت لعدت بعد العمى بصيرا و لوجدت ما كنت لفقده فقيرا

( كان لي قلب أعيش به ... ضاع مني في تقلبه )

( رب فاردده علي فقد ... عيل صبري في تطلبه )

( و أغثني ما دام بي رمق ... يا غياث المستغيث به )

لو قام المذنبون في هذه الأسحار على أقدام الإنكسار و رفعوا قصص الإعتذار مضمونها: { يا أيها العزيز مسنا و أهلنا الضر و جئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل و تصدق علينا } لبرز لهم التوقيع عليها: { لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم و هو أرحم الراحمين }

( أشكو إلى الله كما قد شكى ... أولاد يعقوب إلى يوسف )

( قد مسني الضر و أنت الذي ... تعلم حالي و ترى موقفي )

( بضاعتي المزجاة محتاجة ... إلى سماح من كريم وفي )

( فقد أتى المسكين مستمطرا ... جودك فارحم ذله و اعطف )

( فاوف كيلي و تصدق على ... هذا المقل البائس الأضعف )

قالت عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه و سلم: أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول فيها قال: [ قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ] العفو من أسماء الله تعالى و هو يتجاوز عن سيئات عباده الماحي لأثارهم عنهم و هو يحب العفو فيحب أن يعفو عن عباده و يحب من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه و عفوه أحب إليه من عقوبته و كان النبي صلى الله عليه و سلم يقول: [ أعوذ برضاك من سخطك و عفوك من عقوبتك ] قال يحيى بن معاذ: لو لم يكن العفو أحب الأشياء إليه لم يبتل بالذنب أكرم الناس عليه يشير إلى أنه ابتلى كثيرا من أوليائه و أحبابه بشيء من الذنوب ليعاملهم بالعفو فإنه يحب العفو قال بعض السلف الصالح: لو علمت أحب الأعمال إلى الله تعالى لأجهدت نفسي فيه فرأى قائلا يقول له في منامه: إنك تريد ما لا يكون إن الله يحب أن يعفو و يغفر و إنما أحب أن يعفو ليكون العباد كلهم تحت عفوه و لا يدل عليه أحد منهم بعمل و قد جاء في [ حديث ابن عباس مرفوعا: إن الله ينظر ليلة القدر إلى المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه و سلم فيعفو عنهم و يرحمهم إلا أربعة: مدمن خمر و عاقا و مشاحنا و قاطع رحم ] لما عرف العارفون بجلاله خضعوا و لما سمع المذنبون بعفوه طمعوا ما تم إلا عفو الله أو النار لولا طمع المذنبين في العفو لاحترقت قلوبهم باليأس من الرحمة و لكن إذا ذكرت عفو الله استروحت إلى برد عفوه كان بعض المتقدمين يقول في دعائه: اللهم إن ذنوبي قد عظمت فجلت عن الصفة و إنها صغيرة في جنب عفوك فاعف عني و قال آخر منهم: جرمي عظيم و عفوك كثير فاجمع بين جرمي و عفوك يا كريم يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر أكبر الأوزار في جنب عفو الله يصغر و إنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الإجتهاد في الأعمال فيها و في ليالي العشر لأن العارفين يجتهدون في الأعمال ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا و لا حالا و لا مقالا فيرجعون إلى سؤال العفو كحال المذنب المقصر قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو

( إن كنت لا أصلح للقرب ... فشأنك عفو عن الذنب )

كان مطرف يقول في دعائه: اللهم ارض عنا فإن لم ترض عنا فاعف عنا من عظمت ذنوبه في نفسه لم يطمع في الرضا و كان غاية أمله أن يطمع في العفو و من كملت معرفته لم ير نفسه إلا في هذه المنزلة

( يا رب عبدك قد أتا ... ك و قد أساء و قد هفا )

( يكفيه منك حياؤه ... من سوء ما قد أسلفا )

( حمل الذنوب على الذنو ... ب الموبقات و أسرفا )

( و قد استجار بذيل عفو ... ك من عقابك ملحفا )

( رب اعف و عافه ... فلأنت أولى من عفا )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت