وبما أن الناس متفاوتون في الإدراك ، فقد وضع الفقهاء ( رحمهم الله تعالى ) ضوابط وشروطا في من يتصدر للكلام في شرع الله تعالى ، وجعلوها حصنا يمنع دخول الخلل في فهم شرع الله تعالى ، أو أن تكون أحكاما مبنية على الهوى ، واجتهدوا أيضا في إيضاح النصوص الشرعية ، وأثبتوا أنها نصوص معقولة ، بعيدة عن الشكلية التي اتصفت بها كثير من الأديان والقوانين الوضعية ، وكذلك اجتهدوا في تنظير المصطلحات ، وأولوها العناية الفائقة ، لما يرون من أن لها الأهمية الكبيرة في التطبيق ، فـ [التطبيق الصحيح يعتمد على التنظير الصحيح] ، فهم قد ميزوا العلوم بعضها عن بعض ، فقد قسموا العلم الشرعي إلى فقه وعقيدة و أخلاق ، وأيضا فقد ميزوا بين أبواب العلم الواحد ، فنرى مثلا: أنهم قسموا الفقه إلى أبواب ، كـ (باب العبادات ، والمعاملات ، وأحكام الأسرة [الأحوال الشخصية] ، والحدود والجنايات ) ، ولم يقفوا عند هذا الحد ، فهم ميزوا بين المصطلحات المتشابهة في الظاهر ، وذكروا المواطن التي تتفق فيها والمواطن التي يفترق فيها بعضها عن الآخر ، وذكروا الأثر المترتب على هذا التمييز ، ودوره في احتواء ما يستجد من الوقائع ، وانتبهوا إلى أدق التفاصيل ، بل إننا نجد البعض من العلماء قد أمضى سنينا من أجل تحصيل الفرق بين مصطلحين قد يكونان مترادفين في الظاهر ، ومن الشواهد على ذلك ما ذكره الإمام القرافي (رحمه الله تعالى) في كتابه الفروق عندما تكلم عن الفرق بين الشهادة والرواية ما نصه: (( ابتدأت بهذا الفرق بين هاتين القاعدتين ؛ لأني أقمت أطلبه نحو ثماني سنين ، فلم أظفر به ، وأسأل الفضلاء عن الفرق بينهما ، وتحقيق ماهية كل واحدة منهما ) ) [1] ،
(1) - الفروق أو أنوار البروق في أنواء الفروق (مع الهوامش ) : 1/12 ، تأليف: أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي القرافي، دار النشر: دار الكتب العلمية - بيروت - 1418هـ - 1998م، الطبعة: الأولى، تحقيق: خليل المنصور . ..