الدرس 46/50 ، سيرة الصحابي: أبو الدرداء ، لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي .
تفريغ: الأستاذ هشام القدسي .
التدقيق اللغوي: الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي: المهندس غسان السراقبي .
بِسْمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
مع الدرس السادس والأربعين من دروس سيرة صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، صحابي اليوم أبو الدرداء رضي الله عنه وأرضاه .
اسمه عويمر بن مالك الخزرجي المكنى بأبي الدرداء ، من نومه مبكرًا ، أبو الدرداء هو الذي ينام مبكرًا .
كان يمضي هذا الرجل قبل أن يكون صحابيًا إلى صنمه الذي نصبه في أشرف مكان في بيته ، فيحيِّيه ويضمِّخه بأنفَس أنواع العطر ، ثمّ يلقي عليه أفخر الثياب من فاخر الحرير ، وكلما استيقظ صباحًا توجه إلى هذا الصنم يعبده من دون الله ، وبعد أن يقف أمام صنمه الذي وضعه في أشرف مكان في بيته ، ينطلق بعد هذا إلى متجره ، تأخر في إسلامه ، انطلق مرةً إلى متجره فإذا شوارع يثرب وطرقاتها تضيق بأتباع محمد ، وهم عائدون من بدر ، وأمامهم أفواج الأسرى من قريش فازوّر عنهم ، لكنه ما لبث أن أقبل على فتىً منهم ينتمي إلى الخزرج وسأله عن عبد الله بن رواحة ، ما شأنه ؟ ..
فقال له الفتى الخزرجي: لقد أبلى في المعركة أكرم البلاء وعاد سالمًا غانمًا وطمأنه عليه.
فلِمَ سأل أبو الدرداء عن عبد الله بن رواحة ؟ لأنه كان صديقًا له ، وكان بينهما من أواصر المودة الشيء الكثير ، فأبو الدرداء وعبد الله بن رواحة كانا أخوين متآخيين في الجاهلية ، ولما جاء الإسلام اعتنق ابن رواحة الإسلام ولم يعتنقه أبو الدرداء .
أقف هنا قليلًا ، هذه الحادثة تتكرر ، يكون في الحيِّ أو القرية صديقان حميمان ، أخوان طيبان ، على مقعد واحد في الدراسة ، في حي واحد ، في بيت واحد ، في متجر واحد ، في مكان واحد ، في عمل واحد ، بينهما تقارب في السن ، وتقارب في الطباع ، يحبان بعضهما ، فجأةً أحد الصديقين يتجه نحو الله عز وجل ، ويلتحق بمسجد ، يتأدب بأدب الإسلام ، يعيش أجواء الدين ، يقبل على كتاب الله الكريم ، والآخر يبقى على ما هو عليه .. بربكم هذا الذي اهتدى إلى الله ، أليس من واجبه الأول أن يعين صديقه الحميم الذي أمضى معه ردحًا من الزمن؟ .. ألم يقل عليه الصلاة والسلام:"إن الله ليسأل العبد عن صحبة ساعة".
أقول والكلام لكم: إذا كان لأحدكم صديق في المدرسة ، صديق في الحي ، جار له ، صديق في العمل ، بينهما مودة بينهما محبة ، وبينهما تآخٍ سابقٍ ، واللهُ عز وجل أكرمه بالهدى ، فأقبل عليه ، وتخلق بأخلاق المسلمين ، واتبع شرع الله الحميد ، واجتهد في العبادات ، وأقبل على الطاعات ، وقرأ القرآن ، وحضر مجالس العلم ، وشعر بالسمو ، فهذا الذي كان صديقًا معه ، وأمضى معه عشرين عامًا ، عشرة ، أليس هؤلاء الأصدقاء أولى الناس أنْ تعنى بأمورهم؟ أليس هؤلاء الأصدقاء أحق الناس أن تهديهم ؟ أن تدلَّهم ، وأن ترعاهم ، وأن تزورهم، وأن تتفقدهم ، وأن تعرض عليهم بضاعتك الجديدة ، وانتماءك الجديد ، وتوبتك إلى الله عز وجل، وصلحك معه ، أليس هذا واجبًا ؟.
أنا أيها الإخوة ، أريد من سيرة رسول الله وأصحابه الكرام أن تكون واقعًا ملموسًا بين أيديكم ، أن نستفيد من أحداث السيرة ، ومن أفعال الصحابة الكرام لنكون على هدًى مثلهم .
حينما جاء الإسلام اعتنق عبد الله بن رواحة الإسلام ، وأعرض عنه أبو الدرداء ، والملاحظ أنّ بعض الإخوان الذين لم ينضجوا بعد ، عندما ينضم لمسجد ، ويهتدي إلى الله عز وجل ، ويلتحق بجماعة المؤمنين يحتقر أصدقاءه القدامى ، ويزور عنهم ويترفع عنهم ، فهم في نظره جهلة فاسقون .. أهكذا الصحبة ؟ .. ماذا يمنعك أن تزورهم من حين إلى آخر ، وتتفقدهم ، وأن تعرض عليهم ما أنت فيه من خير وهدىً ، لذلك فأبو الدرداء لم يسلم ، لكن عبد الله بن رواحة لم يقطع العلاقة مع أبي الدرداء ، وظل يتعهده بالزيارة ، ويدعوه إلى الإسلام ويرغبه فيه ويجعله يأسف على كل يوم يمضي من عمره وهو مشرك .
هذه النقطة الأولى في هذا الدرس ، هل يوجد شخصٌ ليس له أصدقاء ؟.
في مثل سنه ، نشآ معًا ، في العمل ، في البيت ، في المتجر ، حتى أحيانًا في خدمة العَلَم ، في مهجع واحد أيضًا سنتين ، أليس هذا له حق عليه ؟ ..
إذًا عليك أن تتفقد أصحابك القدامى لأن الله سيسألك عنهم وسيحاسبك عنهم ، ولا تنس هذا الحديث الشريف:"إن الله ليسأل العبد عن صحبة ساعة".
انطلق أبو الدرداء إلى متجره وتربع على كرسيه العالي ، وأخذ يأمر غلمانه وينهاهم ، وهو لا يعلم شيئًا مما يجري في منزله ، ففي ذلك الوقت كان عبد الله بن رواحة يمضي إلى بيت صاحبه أبي الدرداء وقد عزم على أمر ، فدخل إلى بيته ، ووصل إلى مكان الصنم الذي يعبده من دون الله ، صنم منحوت ، مضمَّخ بالعطر ، عليه حرير ماذا فعل بهذا الصنم ، قطَّعه بالفأس إربًا إربًا .
فلما رأت زوجة أبي الدرداء ما حل بالصنم الذي يعبده زوجها من دون الله ، توقعت الهلاك، وقالت له: يا ابن رواحة أهلكتَني عند أبي الدرداء .
ولم يمض غير قليل حتى عاد أبو الدرداء إلى منزله فرأى امرأته جالسة أمام الحجرة وهي تبكي وتنشج وعلامات الخوف من زوجها بادية على وجهها .
قال لها: ما شأنك ؟
قالت: أخوك عبد الله بن رواحة ، جاءنا في غيبتك وصنع هكذا بصنمك .
أنا أقول لكم دائمًا: إنّ الإنسان أحيانًا سرُّ هداه بلحظة تفكير صحيحة ، وكان ممكنًا لأبي الدرداء أنْ يغضب ، ويثور ، ويحمل الفأس ليكسر بها رأس الذي كسر صنمه ، لكن يبدو أن صديقه يعرفه عاقلًا ، يعرفه منطقيًا .
نظر إلى الصنم فوجَدهُ حطامًا ، ماذا قال ؟ فكر فيما حدث ، ثم قال: لو كان في هذا الصنم خير لدفع الأذى عن نفسه ، ثم انطلق من توه إلى عبد الله بن رواحة ومضيا معًا إلى رسول الله صلى الله عليه وأعلن دخوله في الإسلام ، فكان آخر أهل حيه إسلامًا .
أنا أعبد صنمًا حينما جاء رجل قطعه بالفأس ، فما استطاع هذا الصنم أن يدفع عنه ما أصابه ، إذًا هذا ليس إلهًا يُعبد من دون الله .
وبعد ؛ أمَا رأيت إنسانًا قويًّا صار ضعيفًا ؟ أما رأيت إنسانًا كان في أعلى درجات الجاه فصار وضيعًا ؟ أما رأيت غني افتقر ؟ أما رأيت طبيبًا مرِض ؟ أما رأيت قويًّا أصبح مشلولًا ؟ أما رأيت إنسانًا عظيمًا صار في لحظة خبرًا على الجدران .
فهذا الإنسان الذي تخافه ، أو الذي ترجوه ، أو الذي تعبده من دون الله وأنت لا تشعر ، هذا الإنسان ألا تشله نقطة دم في بعض شرايين الدماغ ؟ .. وبمكان آخر يفقد ذاكرته ، وبمكان آخر يفقد ذاكرته ، وبمكان آخر يفقد عقله ، وبمكان رابع يفقد بصره ، ما هذا الإنسان الذي يقول (أنا) وهو لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شرًا .
الحقيقة عبادة الأصنام الحجرية انتهت مع مجيء الإسلام ، ولكن أحيانًا يكون للإنسان ابن خالة بمكان مرموق ، دائمًا متكئ عليه ، ابن خالتي فلان ، انتبه فمعي رقم تلفونه .. خير إن شاء الله ، هذا شرك .
أنت معتمد على هذا الإنسان وهو بعيد ، فنحن لا نخاف على المسلمين مِن الشرك الجلي ، ولكن نخاف عليهم من الشرك الخفي الشرك الخفي أن تعتقد أن إنسانًا بإمكانه أن ينفعك أو أن يضرك ، أن تعتقد أن إنسانًا بإمكانه أن يعطيك أو أن يمنعك .
لا معطيَ ، ولا مانعَ ، ولا رافعَ ، ولا خافضَ إلا الله ، هذا هو التوحيد لذلك كلما وضعت الثقة بالله عز وجل أكرمك الله ، وكلما وضعت الثقة بغير الله عز وجل تخلى الله عنك .
وندم أبو الدرداء ندمًا كبيرًا على ما فاته من خير ، وأدرك إدراكًا عظيمًا ما سبقه إليه أصحابه من فقه في الدين وحفظ لكتاب الله وعبادة وتقوى ادخروها لأنفسهم عند الله .
المشكلة لدينا تسابق ، الله عز وجل قال: وسابقوا .. وقال: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.. والجنة أبدية ، مراتب الجنة بحسب أعمال الدنيا ، فكل إنسان يحب إن ينافس الناس في الدنيا ولا يحب أن ينافسهم في الآخرة فهو إنسان غبي ، لأن منافسة الدنيا ينتهي شأنها بالموت .
لاحظ أحيانًا سيارة تزاحم السيارات ، تزاحم وترتكب الأخطار من أجل أن تصل إلى الإشارة الحمراء ، والذي قصر يقف جنبه ، فهذه المزاحمة حمقاء ، ولو كان الطريق سالكًا إلى ما لا نهاية يمكن أنْ تزاحم ، ولكن بعد مائتين متر هناك إشارة حمراء ، فكل هذا الطيش والمزاحمة والتجاوز والوقوع في الأخطار جعَلَ الناس يسبُّون هذا السائق ، وبعد دقيقة يقف عند الإشارة الحمراء مثله مثل الآخرين .
إذًا هذه مزاحمة فيها غباء ، هذا مثل بسيط ، لو زاحمت الناس في الدنيا وحصلت على أكبر نصيب ، فيأتي الموت ويسوِّي بينك وبين أفقر إنسان .
لو زاحمت الناس وحصلت أكبر مرتبة اجتماعية ، يأتي الموت ويساوي بينك وبين أضعف إنسان ، هذا الموت أمرُه عجيب ، ينهي غنى الغني وفقر الفقير ، وقوة القوي وضعف الضعيف، وصحة الصحيح ومرض المريض ، ينهي كل الميزات وكل السيئات ، هذه المنافسة إذًا غير معقولة ، إذًا أين المنافسة ؟ .. في الآخرة .
فهذا أبو الدرداء رضي الله عنه ندم أشد الندم على تقصيره وعلى تأخر إسلامه ، فعزم على أن يستدرك ما فات ، بالجهد الجاهد ، وأن يواصل كلال الليل بكلال النهار ، حتى يلحق بالركب ويتقدم عليه فانصرف إلى العبادة انصراف المتبتل ، وأقبل على العلم إقبال الظمآن وأكب على كتاب الله يحفظه ويتعمق في فهم آياته ، ولما رأى التجارة تنغص عليه لذة العبادة وتفوت عليه مجالس العلم تركها غير متردد ولا آسف .
هل هذا مِن أبي الدرداء حكم شرعي ؟ .. لا لكنه موقف شخصي يجب أن نفرق دائمًا بين الحكم الشرعي الذي يصدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من خلال أقواله أو أفعاله أو إقراره ، وبين الموقف الشخصي الذي يصدر عن غير النبي .
فلديه سبب ، إنه متأخر ، فمثلًا هل يمكن لشخص أن يقرأ عشرين ساعة في النهار ؟ الشيء الطبيعي ثماني ساعات ، لكن لو فرضنا إنسانًا نام طوال العام الدراسي ، وصحا قبل شهر من الفحص ، ودرس عشرين ساعة في اليوم ، هذا وضع استثنائي ، ليس هذا أصلًا ، الأصل ثماني ساعات ، وتنام ثماني ساعات ، ودوام ثماني ساعات .. دوام وراحة ودراسة ، أما حينما ينام الطالب ثمانية أشهر من دون دراسة ، والفحص على الأبواب ، فإذا درس عشرين ساعة في اليوم فهذا وضع استثنائي .. فَهِمْتٌم سببَ ترك سيدنا أبي الدرداء التجارة ، وشعر بالتقصير والندم، وشعر أن الصحابة قد سبقوه مراحل فسيحة ، وأنه فاته خير كثير .
أحيانًا يأتي شخصٌ أخر مثلًا يقول لك: أما عندكم دروس ، فتقول له: درس الجمعة درس تفسير ، ودرس الأحد درس فقه ، ودرس الاثنين درس سيرة ، ودرس للدعاة يوم السبت ، ودرس الفجر ، والخطبة ، سبحان الله يأتي إلى جميع الدروس ، ثم يقول: عندكم أشرطة لتلك الدروس .
صدقًا بعض الإخوان أعطيه عشرة عشرين شريطًا أقول لنفسي يحتاج إلى شهر ، بعد ثلاثة أيام يأتي بهم ، ويقول: سمعتها كلها ، لديكم غيرها .
أحيانًا في حالات خاصة الإنسان يحس أنه فاته خير كثير ، كيف يعوض ؟
فأنا أقول لكم: إن أبا الدرداء ترك التجارة لأنه شعر بالتقصير ، شعر بالغبن الفاحش ، شعر أن
هناك أصحابًا سبقوه مراحل فسيحة .
سأله سائل عن تركه للتجارة فقال: كنت تاجرًا قبل عهدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أسلمت أردت أن أجمع بين التجارة والعبادة ، فلم يستقم لي ما أردت ، فتركت التجارة وأقبلت على العبادة .
أنا لا أحب أن يُفهم غيرُ ما ينبغي أن يُفهم ، الإنسان أحيانًا يكون عمله جزء من عبادته ، يكون عنده زوجة وأولاد ، وهو يعمل ليكسب المال لينفق على هؤلاء ، أما إذا عرف الله عز وجل ، واحتسب عمله عند الله انقلب عمله إلى عبادة .
يعني الإنسان ينبغي أن يجمع بين الدنيا وبين الآخرة ، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:"ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ، ولا من ترك آخرته لدنياه ، إلا أن يأخذ منهما معًا فإن الأولى مطية للثانية".
فقد جعل الله قوام الحياة أن تكسب الرزق وتطعم ، والأدلة كثيرة من حديث النبي عليه الصلاة والسلام ، ألم تسمعوا أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل إلى المسجد فرأى شابًا يصلي فيما بين الصلاتين .
سأله قائلًا: مَن يطعمك ، قال: أخي ، قال: أخوك أعبد منك"."
لكن طالب العلم لما جاء شريكه يشكوه للنبي ، ماذا قال للشريك ؟ لعلك تُرزق به ، فطلب العلم عمل ، الآن في العالم تُخصَّص منحٌ دراسية ، فيأتي الطالب للجامعة أو للثانوية ، يدرس ولا يكلَّف بعمل ، يكلَّف بالدراسة حصرًا ، إذًا إذَا طلبت العلم فهذا عمل مشرف .
أنا أنصح إخواننا الشباب الذين يجدون من ينفق عليهم ، ووجد بيتًا يؤويه ، أنا أنصحه يطلب العلم ، لأن العلم أثمن شيء في الحياة ، وكثير مِنَ الأشخاص لا يُتاح لهم أن يدرسوا ، ويضطرون أن يعملوا حتى يأكلوا ، فإذا هيَّأ الله لشاب أبًا ينفق عليه فليطلب العلم الشرعي ، حتى يكون عالمًا ، لأن مرتبة العلم هي أعلى الرتب .
أحد الخلفاء وهو في الحج طلب أن يلتقي بعالم ، وهذا العالم كان عبدًا فالتقى به ، فالعالم أعزَّه العلم ، لا أقول كبر ، بل أعزّه الله ، وكان سيدنا الحسن مرةً يمشي مشية فيها شعور بالثقة، فقال له أحدُهم: أَكبَرْتَ ؟
قال: لا ، ولكنه عز الطاعة ، المطيع يشعر بالعزة ، الكبر قبيح مذموم ، أما الذي يطيع الله عز وجل فيشعر بالعزة .
يبدو أن هذا العالم العبد وقف موقفًا أمام الخليفة في عزة ، قال الخليفة لابنه: قم يا بني ، وتعلّم العلم ، ألا ترى حالنا مع هذا العالم ، وقفنا أمامه أذلاء ، قم يا بني واطلبْ العلم .
قال: تعلموا العلم فإن كنتم سادة فُقْتُم ، وإن كنتم وسطًا سُدْتم ، وإن كنتم سوقة عِشتُم .
إذا كنت مِن الطبقة الرفيعة في المجتمع ، وطلبت العلم صرتَ متفوقًا ، وإن كنت من الطبقة الوسطى ، وطلبتَ العلم صرت سيدًا ، وإن كنت من الطبقة الدنيا وطلبت العلم عشت بين الناس حميدَ السيرة .
يقول أبو الدرداء: والذي نفس أبي الدرداء بيده ، ما أحب أن يكون لي اليوم حانوت على باب المسجد فلا تفوتني صلاة مع الجماعة ثم أبيع وأشتري وأربح كل يوم ثلاثمائة دينار ، ثم نظر إلى سائله وقال: إني لا أقول: إن الله عز وجل حرم البيع ، ولكني أحبّ أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله .
لذلك هذه نصيحة لي ولكم ، من أحب دنياه أضر بآخرته ، ومن أحب آخرته أضر بدنياه ، وحينما يتفرّغ الإنسان تفرغًا كاملًا للتجارة يربح أكثر بحسب قواعد التجارة ، ولكن المؤمن يعقد موازنة ، يجمع بين العمل وبين طلب العلم ، وبين العمل والعبادة ، بين العمل وبين الدعوة إلى الله وبين العمل وبين حضور حلقات الذكر ، بين العمل وبين ما ينبغي أن يفعله .
في خلافة الفاروق رضوان الله عليه ، أراد من أبي الدرداء أن يلي له عملًا في الشام فأبى، قال: إذا رضيت مني أن أذهب إليهم لأعلمهم كتاب ربهم وسنة نبيهم وأصلي بهم ذهبت .
المنصب العلمي فيه عطاء ، المنصب الإداري فيه أخذ ، فمدير ثانوية عملُه محصور في: مَن تأخر اليوم ؟ ومَن لم يدفع القسط ؟ كل عمله أساسه سلْبُ ما عند الناس ، أما المدرس فيعطي ، ترى الطالب يميل إلى المدرس أكثر من ميله إلى المدير ، فعنده العطاء ، فعملُ المدير سلبٌ ، يبني عمله على أمور إدارية ، ضبط الوقود ، وضبط الدوام ، كله ضبط ، لكن التدريس فيه عطاء ، أليس كذلك ؟ لذلك من المناصب الرفيعة أن تكون معلمًا ، في أي مرحلة النبي عليه الصلاة والسلام يقول:"إنما بعثت معلمًا ، إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
يعني أعلى وظيفة تشغلها في الحياة أن تكون معلمًا ، الملائكة في السماء والحيتان في البحار تصلي على معلمي الناس الخير .. كلام النبي كلام دقيق صلى الله عليه وسلم ، قال:"خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ *"
(رواه البخاري عن عثمان)
لنا إخوان من فضل الله ، أساس عملهم بعيد عن التعليم ، يدرسون طلابًا صغارا في تحفيظ قرآن وتجويده ، يقول عن نفسه: أنا أعيش في عالم آخر ، وهذا شيء مسعد حقًّا .
مهنة التعليم أرقى حرفة ، لأنها حرفة الأنبياء ، لكن إذا ضعفت قيمة العلم في المجتمعات ضعفت معها قيمة التعليم .
أضرب مثلًا ، الذي يقف ليبيع هذا اللحم المشوي الذي انتشر في الشام ، راتبه الشهري ثمانية عشر ألف ليرة ، لكن منصب التدريس دخله ضعيف جدًا ، ما معنى ذلك ؟ أن بطن الناس أغلى عليهم من عقولهم ، فإذا كان البطن أغلى من العقل ، يصير الذي يقف على منصة اللحم ليبيعه يتقاضى ثمانية عشر ألفًا بالشهر ، والذي يقف بين خمسين طالبًا ليعلمهم القيم واللغة يتقاضى أقلَّ دخلٍ في عالم الوظائف ، أليس كذلك ؟ .
فالأمة ما الذي يعنيها أكثر من غيره ؟ ترى أنّ بعض الأعمال يرتفع صاحبُها.
لو فرضنا إنسانًا حاز أعلى شهادة ، فراتبُه ربما لا يكفيه ، لكن تتقاضى المغنية سبعين ألف ليرة في سهرة واحدة ، ما معنى ذلك ، المعنى أنّ الطرب عند الناس أغلى عليهم من العقل .
من عدم الحكمة أن تقيس المهنة بدخلها ، تقاس المهنة بمدى ارتباطها برسالة الإنسان في الحياة ، تقاس المهنة بمدى رضوان الله على صاحبها ، هذه .
فعرضوا على أبي الدرداء منصبًا إداريًّا ، وأنْ يكون واليَ الشام فرفض ، قال: أنا إذا ذهبت إلى الشام أعلِّمهم كتاب الله وسنة نبيهم ، وأصلي بهم ، فإذا أردتَ - الكلام موجَّهٌ إلى الخليفة - ذهبتُ إلى الشام .
فلما بلغها قال: وجدتُ الناس قد أولعوا بالترف ، وانغمسوا في النعيم ، فهاله ذلك ، ودعا الناس إلى المسجد ، فاجتمعوا عليه ، فوقف فيهم فقال:يا أهل دمشق ، أنتم الإخوان في الدين ، والجيران في الدار ، والأنصار على الأعداء ، يا أهل دمشق ، ما الذي يمنعكم من مودتي ، والاستجابة لنصيحتي ، وأنا لا أبتغي منكم شيئًا ، فنصيحتي لكم ومؤونتي على غيركم .
ما لي أرى علماءكم يذهبون ، وجهالكم لا يتعلمون ، وأراكم قد أقبلتم على ما تكفل لكم به الله عز وجل وتركتم ما أمرتم به ، ما لي أراكم تجمعون ما لا تأكلون ، وتبنون مالا تسكنون ، وتؤملِّون ما لا تبلغون .
لقد جمعتِ الأقوامَ التي قبلكم ، وأمَّلت فما هو إلا قليل حتى أصبح جمعهم بورًا ، وأملهم غرورًا ، وبيوتهم قبورًا .
واللهِ هذه موعظة بليغة ، يقول لك: وضعت سبعة أكياس إسمنت في هذه الأساسات ، وهذه البناية يسكنها مليون شخص ، فهل أنت تعيش مدى الحياة ؟ هناك بيوت من اللبِن عمرها أربعمائة سنة في الشام ، وهذا يعني أنّ بناء الإسمنت المسلح يقاوم ألف سنة ، عمر الإنسان كلُّه ستون سنة ، والبناية التي أُقيمت له ربما لا يسكنها .
قال: مالي أراكم تبنون ما لا تسكنون ، وتؤمِّلُون ما لا تبلغون ، لقد جمعت الأقوام التي قبلكم ، وأمَّلَت ، فما هو إلا قليل حتى أصبح جمعهم بورًا ، وأملهم غرورا ، وبيوتهم قبورًا ، هذه عاد يا أهل دمشق قد ملأت الأرض مالًا وولدًا ، فمن يشتري مني تركة عاد اليوم بدرهمين؟ فجعل الناس يبكون حتى سُمع نشيجهم من خارج المسجد ، لقد كانت كلمة بليغة.
مِن ذلك اليوم طفق أبو الدرداء يؤمُّ مجالس الناس في دمشق ، ويطوف بأسواقهم ، فيجيب السائل ، ويعلّم الجاهل ، وينبِّه الغافل ، مغتنمًا كل فرصة ، مستفيدًا من كل مناسبة .
له مواقف رائعة جدًا ، مرةً مر على جماعة ، قد تجمهروا على رجل وجعلوا يضربونه ويشتمونه ، فأقبل عليهم وقال: ما الخبر .
قالوا: رجل وقع في ذنب كبير .
قال: أرأيتم لو وقع في بئر أفلم تكونوا تستخرجونه منه .
قالوا: بلى .
قال: إذًا لا تسبوه ، ولا تضربوه ، وإنما عِظُوه وبصِّروه ، واحمدوا الله الذي عافاكم من الوقوع في هذا الذنب .
قالوا: أفلا تضربه ؟.
قال: لا ، إنما أبغض فعله ، فإذا تركه فهو أخي .
ما قولكم بطريقة الدعوة إلى الله ؟.
فأخذ الرجل ينتحب ويعلن توبته .
هذه طريقة في الدعوة إلى الله ، أنت طبيب ، لست خصمًا ، إذا جاء الطبيبُ إلى مريض فهل يحقد عليه ، لا ، بل يرثي لحاله ، ويحاول إنقاذه ، وتطبيبه .
شاب أقبل على أبي الدرداء ، قال: يا صاحب رسول الله أوصني .
قال: يا بني اذكر الله في السراء يذكرك في الضراء ، يا بني ؛ كن عالمًا أو متعلمًا أو مستمعًا ولا تكن الرابعة فتهلك .
يا بني ؛ ليكن المسجد بيتك ، فإن سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقول:"المساجد بيت كل تقي".
المؤمن في المسجد كالسمكة في الماء ، والمنافق في المسجد كالعصفور في القفص ، يكاد يختنق ، لأنه يتضجّر .
وقد ضمن الله عز وجل لمن كانت المساجد بيوتهم ، الرَّوح والرحمة والجواز على الصراط.
مر سيدنا أبو الدرداء على جماعة من الشبان جلسوا على الطريق يتحدثون وينظرون إلى المارين .
من معلوماتكم المشي والتنزه في الطرقات يجرح العدالة ، الحديث عن النساء يجرح العدالة ، صحبة الأراذل تجرح العدالة .
قال يا بني صومعة الرجل بيته ، يكف فيه نفسه وبصره ، وإياكم والجلوس في الأسواق فإنه يلهي ويلغي .
الطرقات الآن فيها نساء كاسيات عاريات ، البيت أرحم وأولى ، إذا فسد الزمان فالبيت صومعة ، وصار محرابُ البيت كهفًا ، قال تعالى:
[سورة الكهف]
في أثناء إقامة أبي الدرداء في دمشق بعث إليه واليها معاوية بن أبي سفيان يخطب ابنته الدرداء لابنه يزيد فأبى أن يزوجها ابنه وأعطاها لشاب من عامة المسلمين ، لأنه رضي دينه وخلقه ، فسار ذلك في الناس وشاع الخبر ، أنّ يزيد بن معاوية خطب ابنةَ أبي الدرداء فردّه أبوها ، وزوَّجها لرجل من عامة المسلمين.
سأله سائل عن السبب ، فقال: إني تحرَّيتُ فيما صنعتُه صلاح أمر الدرداء ، قال: وكيف؟
قال: ما ظنكم بالدرداء إذا قام بين يديها العبيد يخدمونها ، ووجدت نفسها في قصور يخطف لألاؤها البصر ، أين يكون دينها حينئذ ، لذلك أعطاها لشاب من عامة المسلمين .
حينما كان أبو الدرداء في الشام قدم سيدنا عمر متفقدًا أحواله ، فزار صاحبه أبا الدرداء في منزله ليلًا ، فدفع الباب فإذا هو بغير غلق ، فدخل في بيت مظلم لا ضوء فيه ، فلما سمع أبو الدرداء صوته قام إليه ورحّب به وأجلسه ، وأخذ الرجلان يتناوبان الأحاديث ، والظلام يحجب كلًا منهما عن صاحبه .
قال له عمر: رحمك الله ، ألم أوسِّعْ عليك ؟ ألم أبعث إليك ؟ قال له أبو الدرداء - ويبدوا أن سيدنا عمر أعطاه عطاءً ليوسِّع على نفسه ، لكن أبا الدرداء تصدَّق به .
قال: أتذكر يا عمر حديثًا حدثنا به النبي صلى الله عليه وسلم .
قال: وما هو ؟.
قال: ألم يقل: ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب"."
قال: بلى .
قال: فماذا فعلنا بعده يا عمر ؟.
فبكى عمر ، وبكى أبو الدرداء .
ظل أبو الدرداء في دمشق يعظ أهلها ، ويعلمهم الكتاب والحكمة ، حتى أتاه اليقين ، الموت.
فلما مرِض مرَض الموت ، دخل عليه أصحابه: فقالوا: ما تشتكي ؟
قال: ذنوبي .
قالوا: ما تشتهي ؟
قال: عفو ربي .
ثم قال لمَن حوله: لقِّنوني لا إله إلا الله محمد رسول الله .
فما زال يرددها حتى فارق الحياة .
فلما لحق أبو الدرداء بجوار ربه ، رأى عوفُ بن مالك الأشجعي فيما يراه النائمُ مرجًا أخضر فسيحَ الأرجاء ، وارفَ الأَفْياء ، فيه قبة عظيمة من أدم حولها غنم رابضة لم تر العين مثلها قط .
قال: لمن هذا ؟ قيل هذا لعبد الرحمن بن عوف ، فطلع عليه عبد الرحمن بن عوف وقال له: يا ابن مالك ، هذا ما أعطانا الله عز وجل بالقرآن ، ولو أشرفت على هذه الثنية لرأيت ما لم تر عينك وسمعت ما لم تسمع أذنك ووجدت ما لم يخطر على قلبك ، قال ابن مالك: ولمَن ذلك كله يا أبا محمد ؟ قال: أعده الله عز وجل لأبي الدرداء ، لأنه كان يدفع عنه الدنيا بالراحتين والصدر .
في بعض الروايات كان أبو الدرداء قصير القامة ، شديد السمرة ، في أنفه فطس ، وأما نبؤه فعظيم جدًا .
الآن إذا ذهبتم إلى قلعة دمشق ، لها مدخل شمالي حديث ، يصل بكم إلى العصرونية ، بعد أمتار عدة ، تجدون مسجدًا في القلعة اسمه مسجد أبي الدرداء ، رضي الله عنه وأرضاه .
نستنبط أن أبا الدرداء كان سبب هدايته صديقُه عبدُ الله بنُ رواحة ، وأبو الدرداء عرض عليه عمر منصبًا راقيًا جدًا ، والي دمشق ، فماذا فضل عليه ؟ منصب التعليم ، لأن منصب التعليم أرقى عند الله عز وجل ، قال عليه الصلاة والسلام: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ *
[رواه البخاري عَنْ عُثْمَانَ]
ولا تنسوا أن هذا الصحابي الجليل زوّج ابنته من شاب من عامة المسلمين حفاظًا على دينها، لأن الأب إن لم يزوج ابنته من المؤمن فإن كل أعمالها غير الصحيحة في صحيفته ، وقد تقول لله عز وجل يوم القيامة ، يا رب لا أدخل النار حتى أُدخل أبي قبلي .
لا تنتهي مسؤولية الأب عند تزويج ابنته ، بل تبدأ ، إلا إذا اختار لها الزوج الصالح .
وهناك أشياء يمكن أن نستنبطها من هذه القصة ، أرجو الله تعالى أن ننتفع بسلوك هذا الصحابي الجليل وعلمه .
والحمد لله رب العالمين