االدرس:14\ 50 سيرة الصحابي: أبو أيوب الأنصاري لفضيلة الأستاذ محمد راتب النابلسي.
تفريغ: م . م حسان عودة
التدقيق اللغوي: الأستاذ غازي القدسي
التنقيح النهائي: المهندس غسان السراقبي .
بِسْمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علمًا و أرنا الحق حقًا و ارزقنا إتباعه ، و أرنا الباطل باطلًا و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الأكارم:
مع الدرس الرابع عشر من دروس سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضوان الله عليهم أجمعين وصحابيّ اليوم سيدنا: أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه .
أول شيءٍ أحب أن أضعه بين أيديكم في هذا الدرس هو أنك إذا ذهبت إلى الحج ، ورأيت مائتي ألف من الحجاج الأتراك ، وكلهم يبتهلون إلى الله ، ويدعون الله ، فإنهم في صحيفة هؤلاء الصحابة الكرام الذين خرجوا من مكة المكرمة ، ومن المدينة المنورة ، لينشروا هذا الدين في الآفاق .
وسيدنا أبو أيوب الأنصاري أحد هؤلاء الصحابة الذين وصلوا إلى أقاصي الشمال ، ودفن عند أسوار القسطنطينية . فهو الآن مدفون في أحد أحياء استنبول ، أسوار القسطنطينية حينما اتسعت استنبول شملت قبره رضي الله عنه وأرضاه . على كلٍ الإنسان يعمل في الحياة الدنيا أعمالًا كثيرة ، لكن أرقى عمل له حينما ينشر الحق ، أرقى عمل يعمله الإنسان حينما يسمح الله له أن ينشر الحق بين الناس ، ومع نشر الحق هناك جهاد في سبيل الله .
هذا الصحابي الجليل له قصة مثيرة جدًا مع رسول الله صلى الله عليه . على كلٍ هو آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يأتي إلى المدينة مهاجرًا ، فهو من الرعيل الأول الذين بايعوا النبي في بيعة العقبة الثانية ولكن من خلال هذه القصة تجدون العلاقة بين أصحاب رسول الله وبين رسول الله علاقة فريدة من نوعها ، وإن شاء الله سأقف وقفة عندها، و عند كل نقطة من سيرة هذا الصحابي الجليل .
و الوقائع التي سأسردها لكم ربما سردت من قبل ، قبل عشر سنوات ، أو ربما قرأتموها في كتاب ، والتركيز في هذه الدروس لا على الوقائع بل على التحليل ، والتركيز في هذه الدروس لا على التحليل فحسب ، بل على ربط هذه الوقائع وذاك التحليل بحياتنا اليومية .
يعني أنت أيها الإنسان .. ما شأنك بهذه القصة ؟..
ماذا تستفيد منها ؟.. ماذا تستنبط منها ؟.. ما الدروس البليغة التي يمكن أن تأخذها ؟..
بل وأرقى من ذلك ، اسأل نفسك بعد حين ... ما المواقف التي وقفتها اقتداء بهذا الصحابي الجليل ؟.. ماذا أفادني هذا الصحابي الجليل ؟.. ماذا علمني هذا الصحابي الجليل ؟.. هل قلدته ؟ هل اتبعت خطاه ؟.. لقد رضي الله عن أصحاب رسول الله ، فإذا قلت في حديثك عن
أصحاب رسول الله رضي الله عنهم ، فهذا ليس دعاء ، لكنه تقرير ، وفرق كبير بين الدعاء والتقرير ، أنت إذا ذكرت الإمام أبا حنيفة تقول رضي الله عنه ، لكن قولك هذا: دعاء ، وإن ذكرت رجلًا عالمًا ، جليلًا ، مستقيمًا ، عاملًا ، تقول رضي الله عنه ، لكن هذه رضي الله عنه غير تلك ، فهذه دعائية ، أما إذا ذكرت أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم تقول رضي الله عنه تقريرًا ، وأنت في هذا لا تتألى على الله ، ولكن تقول ما قال الله ، ألم يقل الله عز وجل:
( سورة الفتح: 18 )
ويا أخي الكريم هل من مرتبة على وجه الأرض أعلى من أن يرضى عنك خالق الكون ؟ من أن تشعر أنك في رضاه ؟ من أن تشعر أنه يحبك ؟ أنه يحفظك ؟ أنه يوفقك ؟
( سورة الطور: 48 )
كما قال الله عز وجل ، مخاطبًا النبي عليه الصلاة والسلام وقد قال بعض علماء التفسير ، إن لكل مؤمنٍ من هذه الآية نصيب بقدر إيمانه وإخلاصه واستقامته .
أولًا: النبي عليه الصلاة والسلام ، حينما بلغ المدينة تلقته أفئدة أهلها بأكرم ما يتلقى بها وافد، تطلعت إليه عيونهم ، تبثه شوق الحبيب إلى حبيبه ، وهنا وقفة .
أيها الأخوة الأكارم:
الإنسان له قالب وله قلب ، بالقوة تملك القالب ، إذا كنت قويًا بإمكانك أن تخضع الناس جمعيًا لمشيئتك ، بإمكانك أن تجعلهم يقولون أية كلمة تريدها بإمكانك أن تحملهم على أي موقف ،أي إنك ملكت قوالبهم ، ملكت أجسامهم ، ملكت رقابهم ، ملكت عضلاتهم ، ملكت ألسنتهم ، ملكت حركاتهم ، ملكت سكناتهم ، إنك بالقوة تملك القالب فالبطولة ليس أن تملك رقاب الناس بالقوة ، لكن بطولة الأنبياء أنهم كانون من أضعف خلق الله .
ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف ، اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا رب المستضعفين ، إلى من تكلني ، إلى صديق يتجهمني ، أم إلى عدو ملكته أمري إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، لكن عافيتك أوسع لي . شاءت حكمة الله أن يكون معظم أنبيائه ضعفاء ، كأي شخصٍ عادي
بل إن قومه اتهموه بالجنون وبغيره ، وقالوا:
( سورة الذاريات: 39 )
يتهمه الكافر الضال بالسحر ، يتهمه بأنه كاهن ، يتهمه بأنه شاعر ، تتهمه بأنه تأتيه بعض الرؤى الشيطانية ، هذا الذي يتهمه ينام في بيته ناعم البال ، مطمئنًا ، كيف تتهم النبي بأنه مجنون ، وتنام في البيت ناعم البال ، لأنه ضعيف ، لو كان قويًا لما أمكنك أن تتهمه هذا الاتهام ، ولما نجوت من عقابه ، إذًا فقد شاءت حكمة الله أن يكون النبي ضعيفًا لكن بكماله ملك القلوب .
الإنسان قلب وقالب ، الأقوياء يملكون القالب ، الجسم ، اللسان الحركات ، السكنات ، مشيئتهم نافذة لأنهم أقوياء ، لكن الأنبياء ملكوا القلوب ، هذه البطولة:
البطولة أن يحبك الناس حبًا حقيقيًا . البطولة أن تهفو قلوب الناس إليك . البطولة أن تشعر أنهم يؤثرونك على أنفسهم ، ولو كان بهم خصاصة . البطولة أن يميل القلب ميلًا حقيقيًا إليك
النبي عليه الصلاة والسلام أحبه أصحابه حبًا يفوق حدّ الخيال .
ألم تسمعوا حينما سأل أبو سفيان خبيب بن عدي ، قال له قبل أن يصلب ، قبل أن يقتل .
قال يا خبيب: أتحب أن يكون محمد مكانك ، وأنت سليم معافى في أهلك ؟
الآن تقول العوام:"ألف أم تبكي ولا أمي ، مين ما أخذ أمي فهو عمي"قال له:
أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ يقولون: أن سيدنا خبيبًا انتفض ، كما ينتفض العصفور المذبوح . قال: لا والله ، لا أحب أن أكون في أهلي وولدي .
كشخص قاعد في بيته ، تدفئة مركزية ، وفي غرفة الجلوس ، فيها الفراش وثير ، الأرائك مريحة ، السجاد نوع ثمين ، المناظر الطبيعية ، زوجته قاعدة أمامه متزينة ، أولاده ، بناته الصغار . قال له:
والله لا أحب أن أكون في أهلي وولدي ، وعندي عافية الدنيا ونعيمها العافية غير النعيم .
النعيم: باقة ورد .. النعيم: أشياء طيبة ، ما لذّ وطاب من الطعام والشراب والمناظر الجميلة ، والروائح العبقة .
قال له: والله لا أحب أن أكون في أهلي وولدي ، وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة .
والله ما كان كاذبًا ، والله كان صادقًا ، هذا الحب ، الذي يفتقده المسلمون اليوم ، الثقافة موجودة ، معلومات ، أشرطة ، كتب ، مجلات أما هذا الحب الذي هز قلوب أصحاب رسول الله ، فجعلهم يؤثرون طاعة الله عز وجل على كل شيء ، هذا الذي نرجو أن نصل إليه ، أو هذا الذي نرجو أن نسعى إليه .
هؤلاء الأنصار الذين آمنوا بالنبي قبل أن يروه ، وحينما جاء النبي إليهم ، عبروا عن حبهم تعبيرًا غريبًا ، عبروا عن شوقهم ، عبروا عن وفائهم عبروا عن إخلاصهم ، فتحوا له قلوبهم ليحل منها في السويداء ، اشرعوا له أبواب بيوتهم لينزل فيها أعز منزل .
فكل صحابي ، بل كل أنصاري ، كان حلمه الأعظم أن ينزل النبي ضيفًا عنده ، فهذا شرف ما بعده شرف ، هذا مقام ما بعده مقام ، لأنّ النبي سيد الأنبياء ، سيد الرسل ، الإنسان الكامل، قمة البشر ، يأتيه ضيفًا ، ويقيم عنده ضيفًا في بيته مكرمًا معززًا ، فهذا شرف لا يُدانى .
النبي عليه الصلاة والسلام لحكمة بالغة يعرفها كتاب السيرة بقي في قباء أربعة أيام ، وبنى فيها مسجدًا هو أول مسجد بني في الإسلام ، هذا المسجد أسس على تقوى .
فأحيانًا تجد مسجدًا أسس على تقوى ، الذي أسسه لا يبتغي سمعة ، ولا شهرة ، ولا مجدًا ، ولا كسبًا ، ولا شيئًا من هذا القبيل ، والذي يدرس فيه والذي يخطب فيه ، مخلصون لله سبحانه ، يجب أن تكون الدعوة إلى الله خالصة لوجهه الكريم و ألا تختلط بالدنيا ، ألا تشوبها شائبة ، ألا يوضع الدين في الوحل ، أن يبقى الدين في السماء ، أن يبقى الدين بعيدًا عن المصالح ، عن الأهواء ، عن المنازعات ، عن المكاسب الدنيوية ، هذا هو الدين .
إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي ، ولا يصلحه إلا السخاء ، وحسن الخلق فأكرموه بهما ما صحبتموه . أنت أيها المؤمن تمثل هذا الدين ، إياك أن تكذب ، إياك أن تخون ، إياك أن تغش الناس ، إياك أن تخلف وعدك معهم . من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته . أنت سفير ، كل واحد منكم سفير الإسلام ، لأقربائهِ ، وجيرانه وزملائه في العمل ، هذا صاحب دين ، تحت المجهر ، الأضواء كلها مسلطة عليه ، أصغر ذنبٍ يفعله يكبره الناس، فلان فعمل كذا وكذا ، ويقولون صاحب الدين ؟ أنت حينما أعلنت أنك مسلم ، أو حينما اتبعت منهج الإسلام ، أو حينما عرف الناس أن لك خلفية دينية ، أو حينما اتجهت اتجاهًا إسلاميًا ، فأنت الآن تحت المراقبة ، تحت المراقبة بالتلسكوبات التلسكوب يقرب البعيد والميكروسكوب يكبر الصغير ، تحت المراقبة الشديدة ، فإياك أن تسيء لدينك .
أنت على ثغرة من ثغر الإسلام ، فلا يؤتين من قبلك .
دقق أنت حينما عرف الناس أنك مسلم ، إذا أخطأت معهم ليتهم يتهمونك . لا . والله ، هم يتشفون ، ويتهمون دينك ، لا يتهمونك ، بل يتهمون إسلامك .
فهذا المسجد الذي أسسه النبي عليه الصلاة والسلام ، أسسه على تقوى ، وهو أول مسجد في الإسلام ، وإذا كتب الله لكم وزرتم مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وزرتم مسجد قباء، ترون أن هذا المسجد فيه روحانية عجيبة .
وبعد أن قضى النبي الكريم في قباء أربعة أيام ركب ناقته وتوجه تلقاء يثرب طبعًا بين يثرب وبين قباء ، يعني مسير ربع ساعة أو ثلث ساعة تقريبًا .
أنا في أول عمرة أكرمني الله بها ذهبت إلى هذا المسجد ، مسجد قباء وأمامه في ساحة ، وفي وسط هذه الساحة ، نصب عمود وفوق العمود كرة من البلور مكتوب عليها طلع البدر علينا، فو الله الذي لا إله إلا هو ، سمعت هذا النشيد بالشام ، عشرات ، بل مئات بل ما يقترب من ألوف المرات ، لكن ما شعرت بنشوة ، ولا هزة انفعالية إلا حينما رأيت المكان الذي وقف فيه أصحاب النبي يستقبلونه عليه الصلاة والسلام ، في هذا المكان وقفوا واستقبلوه ، وقالوا طلع البدر علينا من ثنيات الوداع . فكان أصحاب رسول الله ، الأنصار يعترضون الناقة ، ناقة رسول الله في مسيرها ، ويقولون: أقم عندنا يا رسول الله ، أقم عندنا في العَدد ، والعُدد، والمنعة نحن أقوياء نحن رجال كثر ، وعندنا أسلحة كافية ، ونمنعك من عدوك أقم عندنا ، هذا عرض مغرٍ ، فيقول عليه الصلاة والسلام . في الحقيقة ؛ القيادة عمل فذ ، فليس كل إنسان يكون قائدًا ، القائد عندما ينحاز لبعض الأطراف ويهمل بعضها الآخر ، فعندئذ يقع في مشكلة كبيرة ، من صفات النبي عليه الصلاة والسلام ، أنه ما من واحد من أصحابه دققوا ، إلا وهو يظن أنه أقرب الناس إليه ، فلو أنه أختار اللهم صل عليه بيتًا من البيوت تنشأ حساسيات ، وتنشأ غيرة بل أن النبي وقف موقف حكيم جدًا فالحكمة هي أحد مستلزمات القيادة يجوز القيادة المادية إن لم يكن هناك حكمة أن تجوّز الأمور على الناس ويرضوا بها ، لكن القضية إذا كانت متعلقة بالدين ، والنبي أنحاز لجهة دون جهة فيتألم الآخرون لدرجة ، قد لا تحمد عواقبها ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام وقف موقفًا في منتهى الحكمة ، فقال كلما أعترض هذه الناقة أسياد الأنصار وقالوا يا رسول الله أقم عندنا في العَدد ، والعُدد ، والمنعة ، يقول لهم: دعوها فإنها مأمورة ، اتركوها فإنها مأمورة .
فقد تنشأ مشكلة في البيت عندك أولاد تنازعوا على مكان في الغرفة فإذا قلت لفلان أجلس هنا، وللآخر اجلس هناك صارت لديهم حساسية . فالنبي الكريم علمنا القرعة ، القرعة ما لها مشكلة ، إذا جرى تنازع بين أفراد وهم بدرجة واحدة بالنسبة لك ، تحبهم جميعًا وتنازعوا على شيء ، كأن يكون لك أولاد وأنت مدعو إلى سهرة أو مدعو إلى عقد قران ، والأنسب أن تأخذ واحدًا فقط ، واخترت واحدًا وغيره أهملته تنشأ مشكلة ، فأقرع بينهم فالقرعة تطيب بها النفوس .
فالنبي الكريم حتى ما يؤثر بيتًا على بيتٍ ، وتنشأ حساسيات ناس ينكسرون و ناس يفتخرون ، قال دعوها فإنها مأمورة ، والناقة تمضي إلى غايتها تتبعها العيون وتحف بها القلوب ، ويقول القائلون هنيئًا لمن تقف عنده هذه الناقة ، فإذا اقتربت من منزل فرح أهله ، وإذا تجاوزته حزن أهله ، إذا قربت يا رب تقف هنا ، وإذا تجاوزت لا حول ولا قوة إلا بالله ، وما زالت هذه الناقة على حالها ، والناس يمضون في إثرها وهم يتلهفون شوقًا لمعرفة السعيد المحظوظ، حتى بلغت ساحة خلاء أمام بيت أبي أيوب الأنصاري .
وقبل أن تقف الناقة هناك راوية أخرى في كتاب آخر ، من كتب التاريخ والسيرة ، يوضح ويبين أنه حينما شعر عليه الصلاة والسلام أن هناك تنافسًا شديدًا ، وهناك حساسية بالغة وكل الأنصار يتمنون أن يقبع عندهم ، أطلق زمام الناقة ، لأنه لو كان ماسكًا الزمام فقد يكون تحركها بتوجيه من رسول الله ، ولو أمسك الزمام وشد الزمام ، وشده يمنة ، أو يسرة ، أو منعها لثارت شكوك ، حينما رأى الأمر بهذه الدرجة من الحساسية ، أطلق زمام الناقة ، ولم يثنها لا يمنة ولا يسرة ولم يستوقف خطاها ، وقال: أي: دعاء دعا به ـ قال: اللهم خر لي وأختر لي .
يعني أنت أحيانًا تأخذ بكالوريا ، يا ترى أألتحق بكلية طب ، أو طب أسنان ، أو هندسة كيمياء، علوم ، حقوق ، شرعية ، أدب عربي ، ما لك ثقة بالله عز وجل ، لكن قل اللهم خر لي واختر لي ، جاءك عرضا عمل ، اللهم خر لي واختر لي ، فهذا موقف تعويضٍ لله ، وهذه حصافة حقًا . لذلك الآية الكريمة التي يقرؤها المؤمنون وتذوب نفوسهم بها .
( سورة البقرة: 216 ) .
يعني شاب اختار الله له زوجةً ، أو اختار له عملًا ،أو أختار له بيتًا فلما يدخل بكلمة لو ، لو فعلت كذا لكان كذا لو اخترت هذا لكان كذا ، فكلمة (لو) ممنوعة في قاموس المؤمن لأنها تفتح عمل الشيطان ، لا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ، وقل قدر الله وما شاء فعل ، فإن كلمة لو تفتح عمل الشيطان أما المؤمن يقول: اللهم خر لي واختر لي ، والله شيء جميل الإنسان يطلب من الله أن يختار له ، خطب ثم خطب ثم خطب ، وأخيرًا نصيبه فلانة انتهى ، فهذه هي نصيبنا ، فهو مطمئن ، أما غير المؤمن يقول: مسواقنا عاطل ، يدخل في متاهات ، يعمل موازنات ، أختها أحسن منها ، الله يصلحها أمي لو اختارت لي أختها ، لمَ تنظر لأختها؟ ما لك حق شوف أختها أساسًا ، هذه مخالفة شرعية .
أن تنظر اللهم خر لي واختر لي ، شيء مهم جدًا ، في عملك ، في زواجك ، في شراء البيت، في تربية أولادك ، اللهم خر لي واختر لي هكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام ، فالله هو العليم ، هو الحكيم ، هو الرحيم ، هو الخبير ، أترك الأمر إليه ، اللهم خر لي واختر لي ، هذا من سنة النبي .
وما زالت الناقة على حالها مستمرة في مسيرها ، والناس يمضون في إثرها وهم يتلهفون شوقًا لمعرفة السعيد المحظوظ ، حتى بلغت ساحة خلاء أمام بيت أبي أيوب الأنصاري ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم ينزل عنها حكم ما بعدها حِكم ، ليست القضية أنه هو أوقفها ونزل ، أو لمجرد أن وقفت نزل ، بل حتى يثبت موقف الناقة ، فما لبثت أن وثبت وانطلقت تمشي والنبي عليه الصلاة والسلام مُرخٍ لها زمامها ، ثم ما لبثت أن عادت أدراجها وبركت في مبركها الأول .
الطبيب أحيانًا يقيس الضغط ، يعيده مرة ثانية للتثبُّت . فهذه الناقة لئلا يُظن أن النبي أوقفها ، ويظن أنه شدّ الزمام شدة سريعة ، لئلا يظن أن النبي له مصلحة في أن يقف عند هذا الصحابي ، بقي راكبًا عليها وانطلقت ودارت ورجعت إلى مكانها الأول ، وبركت ، إذًا فالقضية مركزه ، الموقع اختاره الله عز وجل ، وهذا الموقع ماذا أصبح الآن أصبح مقام رسول الله ، والمسجد النبوي بني فيه القضية لها أثر كبير جدًا ، عندئذ غمرت الفرحة فؤاد أبي أيوب الأنصاري ، وبادر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يرحب به ، وحمل متاعه بين يديه وكأنما يحمل كنوز الدنيا كلها ، ومضى إلى بيته ، هذا الإنسان العظيم حلّ ضيفًا عنده .
فهذا المنزل ، منزل متواضع ، منزل أبي أيوب الأنصاري يتألف من طبقة فوقها علية ، يعني غرفة صغيرة لكنها في الطبقة الثانية فأخلى العلية من متاعه ومتاع أهله ، لينزل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام رحمة بأصحابه آثر عليها الطبقة السفلى ، لأن الطابق الأرضي أسهل للصحابة عند لقائه والقدوم إليه ، فالباب خارجي والمنزل
أرضي وهذا فيه سهولة واضحة فامتثل أبو أيوب لأمره وأنزله حيث أمر . لذلك تجد العلماء يتنازعون أحيانًا ، و الامتثال خير من الأدب فإذا وقع خلاف فالأدب هو الامتثال والامتثال أولى ، فالنبي الكريم ارتأى أن يكون في الطبقة السفلية ، في الطبقة الأرضية ، ولما أقبل الليل، وأوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى فراشه ، صعد أبو أيوب الأنصاري وزوجته إلى العلية ، وما إن أغلقا عليهما بابهما حتى التفت أبو أيوب إلى زوجته وقال: ويحك ماذا صنعنا بأنفسنا أيكون النبي عليه الصلاة والسلام أسفل منا ، ونحن أعلى منه ، أنمشي فوق رسول الله، أنصير بين النبي وبين الوحي ، إنا إذًا لهالكون ، فما هذا التعظيم ؟ ماذا قال الله عز وجل:
( سورة الحج: 32 ) .
هذا الذي يعظم رسول الله ، يعظم المصحف ، يوقر ذا شيبة مسلم ، يوقر الكعبة فهذا يعرف الحق لأصحابه ، هناك أشخاص يستهينون بهذه المقدسات بينما تعظيم هذه المقدسات دليل إيمان الإنسان ، والأصل في ذلك قوله تعالى:
وهنا نقف إزاء ملاحظة لا بد من بيانها:
أن الكفر أنواع ثلاثة: هناك كفر قولي ، وكفر اعتقادي ، وكفر سلوكي .
لو أن إنسانًا أمسك بالمصحف وألقاه وأراد أن يهينه فقد كفر . هذا سيدنا أبو أيوب يقول: ماذا فعلت اليوم ؟ ماذا فعلنا بأنفسنا ؟ أنمشي فوق رسول الله ؟ أيكون النبي أسفل منا ؟ أنكون بينه وبين الوحي ؟ إن ذنب المنافق كالذبابة ، وذنب المؤمن كالجبل الجاثم فوق صدره ، كلما استصغرت الذنب كبر الذنب ، وكلما استعظمت الذنب صَغُر .
المؤمن يرى ذنبه كالجبل جاثم على صدره ، وغير المؤمن يستخف بذنوبه ولم تسكن نفسهما بعض السكون إلا حينما انحاز إلى جانب العلية ، الذي لا يقع فوق رسول الله ، والتزاماه لا يبرحانه إلا ماشيين على الأطراف متباعدين عن الوسط ، نام هو على طرف الحائط وزوجته على الطرف الآخر يعني ابتعدا عن مكان نوم النبي عليه الصلاة والسلام .
فلما أصبح أبو أيوب ، قال للنبي عليه الصلاة والسلام يا رسول الله: والله ما أُغمض لنا جفن هذه الليلة ، لا أنا ولا أم أيوب .
الملاحظة الثانية:
يعني من سعادة المرء أن تكون زوجته على نمط الزوج فأحيانًا تجد الزوجة تعترض على زوجها هذا شيخك ؟ هذا شيخك ؟ تنزل دائمًا بالشيخ ، فما عندها ولاء لزوجها ، أما الزوجة الصالحة ولاؤها كولاء زوجها يعني لها ولاء لدينه ، ولجامعه ، ولشيخه ، أم أيوب مثلها مثله تمامًا . قال له: والله يا رسول الله ما أغمض لنا جفن في هذه الليلة لا أنا ولا أم أيوب .
فقال عليه الصلاة والسلام: ومما ذلك يا أبا أيوب ، خير إن شاء الله فقال: ذكرت أني على ظهر بيت أنت تحته ، وإني إذا تحركت تناثر عليك الغبار ، فالسقف ترابي ، فإذا تحرك أحد تناثر التراب ، فآذاك ، ثم إني غدوت بينك وبين الوحي .
فقال عليه الصلاة والسلام: اللهم صلِّ عليه كان طبيعيًا ، قال له: هون عليك يا أبا أيوب ، إنه أرفق بنا أن نكون في السفلي ، لكثرة من يغشانا من الناس ، لا تهتم فالله عز وجل وضعه في آية فقال:
( سورة ص: 86 ) .
الإسلام ليس فيه كهنوت ، يعني طقوس ، وتعظيم ، وتأليف . قال له: هون عليك يا أبا أيوب إنه أرفق بنا أن نكون في السفلي لكثرة من يغشانا من الناس ، لا تهتم يعني هَوّن عليك .
قال أبو أيوب: فامتثلت لأمر النبي عليه الصلاة والسلام ، إلى أن كانت ليلة باردة فانكسرت لنا جرة في العلية ، ووقعت مشكلة وأريق ماؤها في العلية وكانت مشكلة كبيرة جدًا ، فقمت إلى الماء أنا وأم أيوب ، وليس لدينا إلا قطيفة كُنّا نتخذها لحاف ، وجعلنا ينشف بها الماء خوفًا من أن يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، اللحاف الوحيد ، الليلة باردة ، ما في غيره ، وضعوه فوق المياه ، حتى يمنعوا وصول الماء لسيدنا رسول الله .
هذا كله مسجل ، الأدب مسجل ، الحب مسجل ، والتضحية مسجلة والبذل مسجل ، والإنفاق مسجل . فلما كان الصباح ، غدوت على النبي صلوات الله عليه وقلت له: بأبي أنت وأمي إني أكره أن أكون فوقك ، هي ، وأن تكون أسفل مني ، ثم قصصت عليه خبر الجرة ، وهكذا صار معنا البارحة ، فاستجاب لي شو كمان النبي ، ما أحب أن يحرج أبا أيوب ، ما أحب أن يحمله فوق طاقته فوقف موقفًا لينًا .
النبي الكريم قال: رحم الله عبدًا سهلًا ، قِس عليها إذا باع وإذا أشترى ، أو طُلب منه شيء ، المؤمن هين لين ، يألف ويؤلف ، كالجمل الأنف ينقاد سريعًا فلما رأى أبو أيوب في حرج شديد وفي ضيق ، وفي خوف ، قال له هون عليك ، فاستجاب النبي لي ، وصعد إلى العلية، ونزلت أنا وأم أيوب إلى الأسفل و ارتحنا وهدأت غلواء نفوسنا .
أقام النبي عليه الصلاة والسلام في بيت أبي أيوب نحوًا من سبعة أشهر ، حتى تم بناء مسجده في الأرض الخلاء ، التي بركت فيها الناقة فأنتقل إلى الحجرات التي أقيمت حول المسجد له ولأزواجه ، فغدا جارًا لأبي أيوب ، معناها بيت أبي أيوب الأنصاري إلى جوار المسجد النبوي الشريف .
أما الآن إذا ذهبت إلى هذا المكان تجده غدًا من أرقى الأبنية في العالم مساحات يتسع لمليون مصلٍ تقريبًا ، فيه أعظم مشروع تكييف في العالم ، كله تعظيمًا لهذا النبي الكريم .
وهذه نقطة ثانية أنه لما قامت الألفة ، بعد أن سكن النبي عند سيدنا أبي أيوب الأنصاري ، ورفرف شيء من الحب ، و مع الحب رفعت الكلفة ، تجد الناس قناصين ، لكن أبا أيوب منزّه عن ذلك . فالنقطة الدقيقة التي لفتت نظري ، أن هذه الإقامة عند سيدنا أبي أيوب الأنصاري ، أورثت لهذا الصحابي حبًا للنبي منقطع النظير . والحقيقة أن الإنسان أحيانًا يُحبُّ عن بعد ، فإذا سافرت معه تنكمش منه ، ما كنا عرفانين هيك لا حول ولا قوة إلا بالله .
قالوا: الإنسان إذا رأيته أول مرة تعرفه من شكله ، من هندامه من ألوان ثيابه ، فإذا تكلم نسيت شكله .
الأحنف بن قيس كما تعلمون كان قصير القامة ، أسمر اللون مائل الذقن ، ضيق المنكبين ، ناتئ الوجنتين ، غائر العينين ، أحنف الرجل ، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب ، وكان مع ذلك سيد قومه ، إذا غضب غضب لغضبته مائة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب ، وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه .
فالإنسان إذا رأيته أول مرة ، تستنبط بعض خصائصه من هيئته ، من ثيابه أما إذا تكلم ، تنسى شكله ، فإذا عاملك تنسى كلامه فكلامه ينسيك شكله ومعاملته لك تنسيك كلامه ، فالبطولة أن على الإنسان ألا يحب عن بعد ، بل أن يحب عن قرب ، أن يحب وأنت شريكه وأنت مسافر معه ، هو جارك ، هو ضيفك ، أما من بعد ، كل إنسان ببيته ، بعلاقاته العامة ، أناقة ، واحترام، وكلام لطيف ، واعتذارات ودبلوماسيات ، وعبارات رقيقة ، أما المجاورة ،
أو السفر أو المحاككة بالدرهم والدينار ، فهذه هي المحكة بعض الأشخاص لهم هالة كبيرة جدًا ، لو دخلت إلى حياتهم الخاصة ، لرأيت فرقًا شاسعًا بين أقوالهم وبين أفعالهم لذلك تنكمش منهم .
فسيدنا أبو أيوب عاش مع النبي في بيت واحد ، وعلى قرب شديد فماذا فعل به هذا القرب الشديد ؟ زاده حبًا ، زاده تعلقًا ، زاده تعظيمًا ، زاده إكبارًا لكماله المؤمن تحبه عن قربٍ وعن بعدٍ ، تحبه من دون أن تخالطه ، وتحبه إذا خالطته تحبه من دون أن تسافر معه وتحبه إذا سافرت معه ، تحبه من دون أن تشاركه ، وتحبه إن شاركته .
أنا أتألم جدًا عندما أرى أخوين بعد أن تشاركا تخاصما ، رغم كل هذا الحب وكل هذه المودة، لما دخلتما في شركة واحدة بدأت الخصومات والحسد ، والانتقادات ، لماذا ؟ لضعف إيمان أحدهما ، أو لضعف إيمان كليهما بالعلاقات الحميمة يزداد تألق المؤمن ،وكذلك في السفر ، ومع الجوار ، إن سكن معه في بيت واحد ، ازداد الحب ، والتعلق ، والشوق ، حتى رفعت الكلفة .
والنبي عليه الصلاة والسلام يعني قائد فذ صديق حميم ، وأب رؤوف وزوج ناجح ، كان إذا دخل صحابي يداعبه هذا خالي أروني خالًا مثل خالي ، اِرمِ سعد سعد فداك أبي وأمي .
فالنبي الكريم أقام في هذا البيت سبعة أشهر ، وكأن هذا البيت بيته ، ورفعت الكلفة بينهما إلى ما لا نهاية .
لذلك يا إخوان أجمل شيء في الحياة ، وأنا لا أبالغ في مقالتي أجمل شيء أخ لك مؤمن ، تخلص له ويخلص لك ، تحبه ويحبك تؤثره ويؤثرك ، تضحي من أجله ويضحي من أجلك ، تقرضه ويقرضك ، تعينه ويعينك ، تشعر بمشاعره ، تتألم لآلامه ، تفرح لأفراحه ، هذا حال المؤمنين . هكذا قال النبي:
المؤمنون بعضهم لبعض نصحه متوادون ولو ابتعدت منازلهم والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون ولو اقتربت منازلهم .
قال لي أخ كان مع جماعة مؤمنين قال لي والله ما ارتحت معهم ، ليش ؟ قال لي ما رأيت اثنين متحابين ليس معقولًا أيكونون مؤمنين ، وليس بينهم حب أبدًا ؟ كل واحد ينتقد الآخرين ، فعلامة أهل الإيمان أنهم يحبون بعضهم حبًا حقيقيًا ، ومع الحب رفع الكلفة ومع الحب الوفاء، ومع الحب التضحية ، ومع الحب التعاون .
( سورة المائدة: 2 ) .
سيدنا أبو أيوب ، بعد أن انتقل النبي إلى بيته المجاور للمسجد النبوي وهو يرى أن كل سعادته بإكرام النبي ، كل سعادته كانت أساسها ، أن الله أكرمه بأن جعل النبي ضيفه ، فهذا الخير كأنه انقطع ، فأحبّ أن يستمر الخير فكان يعد له كل يوم طعامًا ، على الطريقة القديمة .
و النبي الكريم قال: إن الله يحب من الأعمال أدومها وإن قل ، أو أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل . فإذا أنت صليت قيام الليل فاستمر ، وإن خصصت مبلغًا كل شهر صدقة فاستمر ، الأعمال المستمرة ، تتراكم ، ومع التراكم تتعاظم ، ومع التعاظم تحملك إلى الله عز وجل ، لكن بعضهم يهب هبة ثم ينطفىء يفور ويهمد ، هذا ليس من صالح المؤمن ، أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل .
إن كان لك عمل صالح فاستمر عليه ، تقصد هذا المسجد استمر عليه لك هذه الصدقة استمر عليها ، لك هذا الجزء من القرآن تقرؤه كل يوم أستمر عليه ، لك هذا الذكر استمر عليه .
سيدنا أبو أيوب لما النبي انتقل إلى بيوته التي حول المسجد ، كان يعيش في خير ما بعده خير، كان يعيش في سعادة ما بعدها سعادة لذلك كان يعد للنبي طعامًا كل يوم .
فمرة طرق النبي الكريم مع سيدنا الصديق وسيدنا عمر باب داره ـ بالمناسبة يعني النبي جاع، وكان فقيرًا ، ولأن النبي قدوة للمؤمنين جميعًا إلى يوم القيامة لابد من أن يذوق كل شيء ، ولو أن النبي ما ذاق الجوع إطلاقًا ، وما ذاق الفقر إطلاقًا ، فلا يمكن أن يكون قدوة لنا لكن ذاق الجوع ، وذاق الفقر .
قال: أوذيت وما أوذي أحد مثلي ، وخفت وما خاف أحد مثلي ومضى علي ثلاثون يومًا ، لم يدخل جوفي إلا ما يواريه إبط بلال .
فيبدو أن النبي لم يكن عنده طعام ، فانطلق إلى بيت أبي أيوب ، ماذا فعل أبو أيوب ؟ كان يعمل في نخلٍ قريب ، فأقبل يسرع ويقول مرحبًا برسول الله والله ترحيب الأخ أغلى من طعامه ، أهلًا وسهلًا ، أنورَتْ ، أنور البيت ، أكرمتنا بهذه الزيارة ، الترحيب ضيافة يا أخوان ، الترحيب الشديد من صفات المؤمن .
فهذا سيدنا أبو أيوب قال له مرحبًا برسول الله ، وبمن معه أحيانًا تهتم بالضيف الأول وتهمل الباقين ، فيستحون بحالهم لأن المضيف لم يلتفت إليهم ، تفضل ويهمل الآخرين ! انتبه يا أخي فمع ضيفك اثنان آخران ، رحب بهم جميعًا .
قال له: مرحبًا برسول الله وبمن معه وهذا هو الأدب ، توزع اهتمامك على الكل ، ترحيبك بالكل ، ضيافتك للكل ، عنايتك بتوزيع الطعام للكل .
سبحان الله بالمدينة المنورة أخٌ دعانا إلى غذاء ، من أهل المدينة لفت نظري أنه ما أكل معنا أبدًا ، بقي واقفًا يقدم لنا الطعام ، هذه من سنة النبي اللهم صلِّ عليه ، فالشدة الترحيب والإكرام ، يقف ويوزع الطعام بيده ، على كل واحد من المدعوين .
أنطلق أبو أيوب إلى نخلة ، فقطع منها عرقًا فيه تمرٌ ورطبٌ ، وبسرٌ ، البسر يعني تمر لم ينضج بعد ، قد يبيعون في الطريق بلحًا ، على العذق يعني معلقًا بعناقيد ، لونه بلحي ، فقال عليه الصلاة والسلام: ما أردت أن تقطع يا أبا أيوب ، هلا جنيت لنا من ثمره ، قال يا رسول الله أحببت أن تأكل من تمره ورطبه وبسره فكل ما تشتهي نفسك بسرًا أو رطبًا أو تمرًا يا رسول الله ، ولأذبحن لك أيضًا ، قال إن ذبحت ، فلا تذبحن ذات لبن .
وفي أيامنا هذه قد يكون أحد جائعًا ولا يقبل ضيافة مضيفه ويقول: قبل قليل أكلت ، هذا لا معنى له وهو من الكلام الفاضي ، أنت جائع وهو أحب أن يكرمك ، قل له: ضع لنا أكلًا ، ما في مانع ، يعني الكريم ما من كلمة أحب إلى قلبه من أن يقول له الضيف ، ضع لي طعامًا، لكن بلا تكلف.
أمرنا ألا نتكلف المفقود ، يا عائشة لا تتكلفي لضيفك فتملي ألغِ التكلف ، لا نبخل بالموجود ، ولا نتكلف المفقود . قال له ولأذبحن لك شاة يا رسول الله ، قال له إن ذبحت فلا تذبحن ذات لبن ، فأخذ أبو أيوب جديًا ، فذبحه ، ثم قال لامرأته اعجني واخبزي لنا أنتِ أعلم بالخبز ، ثم أخذ نصف الجدي فطبخه ، وعمد إلى النصف الآخر فشواه ، فلما نضج الطعام ، ووضع بين يدي النبي وصاحبيه ، أخذ النبي قطعة من الجدي ، ووضعها في رغيفٍ فقال: يا أبا أيوب بادر بهذه القطعة إلى فاطمة فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام .
فالمؤمن وفيّ لأهله ، واليوم إخوان مؤمنون كثيرون إذا دعي لطعام نفيس ، ففي اليوم التالي يجلب للبيت طعامًا مثله لأهله يعني هذه زوجتك ، وشريكة حياتك ، فان أكلت أنت ما لذّ وطاب وهي محرومة ، فهذا شيء لا يليق بالزوج أبدًا .
فقال له يا أبا أيوب بادر بهذه القطعة إلى فاطمة فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام ، فلما أكلوا وشبعوا قال النبي عليه الصلاة والسلام خبزٌ ، ولحمٌ ، وتمرٌ ، وبسرٌ ، ورطبٌ ، ودمعت عيناه.
يعني أحدنا إذا أكل صباحًا ، وكان على المائدة لبن مصفى ، وزيتون وجبن وبيض مقلي ، وصحن سلطة مثلًا ، وكأس حليب مع نسكافة ، فلا يبكي ، أو لا تدمع له عين شكرًا على ما أنعم الله عليه ، لكن النبي بكى ، ثم عند الظهر طبخ وفواكه وحلويات ، وأكل طيب ، والمؤمن كلما ارتقى إيمانه يخجل من الله ، فالنبي الكريم كانت تعظم عنده النعمة مهما دقت .
ككأس ماء مثلًا ، حتى لو أنه قضى حاجته ، قال: الحمد لله الذي أذاقني لذته ، وأبقى في قوته ، وأذهب عني أذاه .
هذا المؤمن ، المؤمن دائمًا مع الله ، في طعامه وشرابه ، فلما أكلوا وشبعوا قال النبي الكريم خبزٌ ، ولحمٌ ، وتمرٌ ، وبسرٌ ، ورطبٌ ودمعت عيناه ثم قال: والذي نفسي بيده ، إن هذا هو النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة . أكلت وموّنت يعني كلكم تعرفون ماذا في بالبلد ، وماذا به من خيرات إذا الإنسان أكل قطعة جبن مع كأس شاي ، وصحة طيبة ، فهذه أكبر نعمة فإذا أصبتم مثل هذا ، فضربتم أيديكم فيه فقولوا بسم الله ، سَمّوا الله . لأن الشيطان إذا دخل إنسان لبيته وما سلم ، قال الشيطان أدركتم المبيت ، وطول الليلة مناقرة ، وخبط أبواب وتكسير ، وسباب بين الزوجين ثم ضرب وصراخ ، ثم غادرت بيتها لبيت أهلها ، و الشيطان نام عندهم، فالزوج دخل البيت ولم يسلّم ، سلم يا أخي ، سلم ، وقل السلام عليكم يهرب الشيطان، إذا الشيطان رأى أن هذا الرجل دخل ولم يسلم ، قال أدركتم المبيت فإذا جلس للطعام ولم يسمِ قال: أدركتم العشاء ، فإذا دخل ولم يسلم وجلس للطعام ولم يسمِ قال: أدركتم المبيت والعشاء . فالخنايق بالبيوت ، وعياط وشياط ، وكلها أساسها البعد عن الله عز وجل .
قال: فإذا شبعتم فقولوا الحمد لله الذي أشبعنا وأنعم علينا فأفضل ، ثم نهض النبي إلى أبي أيوب ، وقال ائتنا غدًا لنكافئك ، و النبي الكريم قال: من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه.
سيدنا أبو أيوب عاش طوال حياته غازيًا ، حتى قيل إنه لم يتخلف عن غزوة غزاها النبي أبدًا، وكانت الآية الكريمة ، شعارًا له:
( سورة التوبة: 41 ) .
سيدنا أبو أيوب في عهد معاوية بن أبي سفيان رحمه الله تعالى ورضي عنه ، انخرط في جَيَّش جيشه معاوية بقيادة ابنه يزيد لفتح بلاد الروم كم كان عمره في ذاك الوقت ؟ ثمانون عامًا .
بينما في أيامنا الرجل بالأربعينات معه حزمة أدوية ، قبل الطعام وبعده ، هات أسبرين ، وهات سكرين وهات .... ثمانين سنة ، عاش هذا الصحابي الجليل ، وعاش مجاهدًا ، يبدو أنه أصابه مرض في هذه الغزوة ، كان قائد الجيش يزيد بن معاوية فخف إليه القائد ، قال له يا أبا أيوب ما حاجتك ـ استمعوا ما حاجة أبا أيوب الأنصاري ـ فطلب أبو أيوب الأنصاري من يزيد إذا هو مات أن يُحمل جثمانه فوق فرسه ويمضي به أطول مسافة ممكنة في أرض العدو ، أبعد مسافة ممكنة ، في أرض العدو ، ويدفن هناك ثم يزحف بجيشه على طول هذا الطريق ، حتى يسمع أبو أيوب وهو في قبره وقع حوافر خيل المسلمين فوق قبره ، عندئذ يدرك أنهم قد أدركوا ما يبتغون ، من نصر وفوز ، وهذه أمنيته . سيدنا عمر بن الخطاب ، حينما قتل ، وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ، سأل سؤالًا ، قال أصلّى المسلمون الفجر ؟
أما هذه الأيام اسأل طبيبًا ، يشاهد حالات موت أحيانًا ، فيسمع المريض: أين السيارة موجودة لا تخف ، فيها محفظة فلوس ، لا تخف موجودة ، فهو قلق على سيارته ، وعلى فلوسه ، وعلى بيته وعلى ممتلكاته المنقولة وغير المنقولة ، سيدنا عمر قال لهم: أصلّى المسلمون الفجر ؟
سيدنا أبو أيوب قال له: امضِ بجثماني إلى أبعد مكان في أرض العدو وادفني هناك ، ثم تابعني بالجيش لأسمع وقع حوافر خيل المسلمين حتى أموت مطمئنًا إلى أنكم وصلتم إلى هذه الأماكن ، وهذه أمنيته وقد تحققت ، وقبره معروف ضمن استنبول ، حتى الحي المدفون فيه له أسم شهير ، من يذكره ؟ له أسم بالتركي مشهور جدًا ، مكان دفن هذا الصحابي في هذه المدينة ، طبعًا يزيد بن معاوية أنجز وصية أبي أيوب وقبره في قلب القسطنطينية وهي اليوم استنبول ، وتضم جثمان هذا الرجل العظيم ، أما الشيء الغريب ، أنه قبل أن تفتح القسطنطينية وتغدو استنبول كان الروم يتعاهدون قبره ، ويزورنه ، ويستسقون بقبره إذا قحطوا .
فأعداء المسلمين كانوا يتبركون به ، أنا أعرف يقينًا أنه ما من رجل أوربي زار دمشق إلا وطلب زيارة قبر سيدنا صلاح الدين ، ويقف هؤلاء باحترام كبير أمامه ، لأنه عاملهم أشرف معاملة ، لما انتصر عليهم ، في بيت المقدس .
من أقوال سيدنا أبي أيوب: إذا صليت فصلّ صلاة مودع ، هذا الحديث عن رسول الله أما سيدنا أبو أيوب كان يتمثله دائمًا ، إذا صليت فصلّ صلاة مودع ولا تكلمن بكلام تعتذر منه ، وتمام النصيحة هي: الزم اليأس مما في أيدي الناس ، يحبك الناس ، إياك وما يعتذر منه ، صلّ صلاة مودع إياك وما يعتذر من ، استقم يعني ، استقامة كاملة ، وحسن صلاتك ، ولا تطمع بما عند الناس هذه كلها من نصائح هذا الصحابي الجليل ، التي كان يأخذها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكل واحد رأى ملايين الأتراك المسلمين ، والأعداد الكبيرة منهم في الحج ، وهذا كله من بركات هذا الفتح الإسلامي لهذه البلاد . ولنا أخوان من الصين ، أين الصين ؟ سألت أخًا زارني منذ يومين قال لي أنا من الشمال ، الشمال الشرقي ، من الصين ، رحمه الله أولئك الفاتحين إذ آلاف الكيلومترات بين الشام وبين الصين ، ورغم بعد المسافة وصلوا غليها وفتحوها ، و أرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع من هذه الدروس ، وأن يكون هؤلاء الصحابة قدوة لنا ، وأن نقتدي بهداهم ، فهم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه .
والحمد لله رب العالمين