فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 69

الدرس 20/50: سيرة الصحابي: أبو العاص بن الربيع لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .

التاريخ: 22/02/1993

تفريغ: م . م . حسان العودة .

التدقيق اللغوي: الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي: المهندس غسان السراقبي .

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علمًا ، وأرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الإخوة الأكارم: قصة من قصص أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ، ولكن هذه القصة لها طعم خاص ، ذلك أنها تتصل اتصالًا مباشرًا بأهل بيت النبي عليه الصلاة والسلام ، إنه أحد أصهاره ، ويمكن أن نستنبط من هذه القصة موقف النبي عليه الصلاة والسلام من قرابته ، وكيف كان مثلًا أعلى للمؤمنين في علاقاته مع من يلوذ به ، صهره أبو العاص بن الربيع العبسي القرشي .

كان شابًا موفور الشباب ، بهي الرونق ، رائع المجتلى ، كان ذا نعمة ، وحسبٍ ، ونسبٍ ، وكان فارسًا ، فيه كل خصائص الأنفة ، والكبرياء ، وكل مثال المروءة والوفاء .

هذا الرجل قبل الإسلام كان مولعًا بالتجارة ، فقد أحبها حبًا جما ، وكان صاحب رحلتين إلى الشام ، رحلة الشتاء ، ورحلة الصيف ، وكانت قافلته تضم مائة من الإبل ، ومائتين من الرجال، من أضخم القوافل ، رحلتان إلى الشام ، رحلة الشتاء ، ورحلة الصيف ، وكل رحلة فيها مائة بعير عليها الأحمال ، مع مائتي رجل يرعون هذه الأحمال ، هذا حجم تجارته .

ويبدو أنه ، بالتعبير الحديث كان شريكًا بجهده ، فأناس كثيرون بمكة كانوا يدفعون إليه بأموالهم ليتجر بها ، وهذه شركة القراض أو المضاربة ، إنسان بماله ، وإنسان بجهده .

خديجة بنت خويلد زوج النبي عليه الصلاة والسلام هي خالته ، وله في نفسها منزلة رفيعة جدًا ، تحبه وتعطف عليه ، وترعاه ، وكان موفور الشباب ، كان ملء السمع والبصر .

لا بد من هذه المقدمة قبل أن نبدأ بالموضوع ، والأعوام مرت سراعًا على بيت محمد بن عبد الله فشبت زينب كبرى بناته عليه الصلاة والسلام من السيدة خديجة ، وتفتحت كما تتفتح الزهرة فواحة الشذا بهية الرواء ، طمحت إليها نفوس أبناء السادة من أشراف مكة ، فهي من أعرق بنات قريش حسبًا ، ونسبًا ، ومن أكرمهن أمًا وأبًا، ومن أزكاهن خلقًا وأدبًا ، لكن أنَّى لهم يظفروا بها وقد حال دونهم ودونها ابن خالتها ، أبو العاص بن الربيع فتى الفتيان .

إذًا فالنبي عليه الصلاة والسلام قبل البعثة ، تزوج من السيدة خديجة ، ورزق منها البنات ، كانت كبرى بناته زينب ، تفتحت ، وكانت تتمتع بخصال حميدة فهي من أبويْن كريمين ، ومن بيتِ حسبٍ ونسبٍ عريقين ، طمحت إليها نفوس أبناء سادة قريش ، لكن ابن خالتها حال بينهم وبينها ، وكان الزواج الميمون ، زواج أبي العاص بن الربيع من بنت النبي عليه الصلاة والسلام زينب ، لم يمض على اقتران زينب بنت محمد بأبي العاص إلا سنوات محدودات حتى أشرقت بطاح مكة بنور البعثة المحمدية ، ونزل الوحي ، وبعث النبي عليه الصلاة والسلام نبيًا ورسولًا إلى العرب ، وإلى الأمم جميعًا ، وأمر الله نبيه أن ينذر عشيرته الأقربين .

( سورة الشعراء: 213 ـ 214 ) .

النبي عليه الصلاة والسلام دعا إلى الله عز وجل ، وأنذر عشيرته الأقربين ، فكان أول من آمن به من النساء خديجة ، وأول من آمن به من بناته زينب ، ورقية ، وأم كلثوم ، وفاطمة ، لكن كنَّ صغيرات السن ، وهنا دخلنا في القصة ، ثم إن صهره أبا العاص كره أن يفارق دين آبائه وأجداده ، هنا بدأت العقبة ، صهره زوج ابنته لم يؤمن به ، وكره أن يفارق دين آبائه وأجداده ، والإنسان كما يقال: عدو ما يجهل ، ومن علائم ذكاء الإنسان أن يتحرر من كل شيءٍ ألفه ولو كان باطلًا ، ويبحث عن الحق ولو لم يألفه ، وعلى كلٍ فهذا الإنسان كره أن يفارق دين آبائه وأجداده ، وأبى أن يدخل فيما دخل فيه زوجته زينب ، على الرغم من أنه كان يُصِفْها الوداد ، ويحبها حبا جما ، ولما اشتد نزاع النبي عليه الصلاة والسلام مع قريش ، فكَّروا في إشغال النبي عن دعوته بشيء ، والإنسان قد يكرمه الله عز وجل بسبب موقف أخلاقي ، فأراد كفارُ مكة أن يغيظوا النبي ، وأن ينالوا منه ، وأن يحمِّلوه فوق طاقته ، فقالوا: ويحكم إنكم قد حملتم عن محمد همومه بتزويج فتيانكم من بناته ، فلو رددتموهن إليه لانشغل بهن عنكم ، طلقوا بناته ، فوصل الأمرُ بكفار مكة مع النبي عليه الصلاة والسلام إلى مستوى تطليق بناته ، ليحمل همَّهنّ فوق هم الدعوة ، حينما كنت أقول: إن النبي ذاق كل مرارةَ ، واللهِ لقد غاب عن ذهني أن بناته قد طُلِّقن ، فالأب إذا كان طلقت ابنته كان مصابُه عظيمًا ، فهاجر من مكة إلى المدينة ، وذاق اليتم ، وذاق الفقر ، وذاق موت الولد ، وذاق تطليق بناته من أصهاره ، فقال كفار قريش: ويحكم إنكم قد حملتم عن محمد همومه ، بتزويج فتيانكم من بناته ، فلو رددتموهن إليه لانشغل بهن عنكم ، قالوا: واللهِ نِعْمَ الرأي ما رأيتم ، والكافر حيثما قدَرَ على الأذى يتهلل وجهه ، حيثما قدَر على إيقاع الضرر بالآخرين تجده نشيطًا ، أمّا إذا دعوته إلى عمل صالح ألفيتَه كسولا، قالوا: واللهِ نِعْمَ الرأي ما رأيتم ، ومَشَوْا إلى أبي العاص ، وقالوا له: فارقْ صاحبتك يا أبا العاص ، وردَّها إلى بيت أبيها ، ونحن نزوجك أي امرأة تشاء من كرائم عقيلات قريش ، هناك أشخاص حتى الآن إذا تزوج ابنه من مؤمنة ، يقول له أبوه: فارقها ونحن نزوجك غيرها ، لا لشيء إلا لأنها مؤمنة ، فارق صاحبتك يا أبا العاص ، وردّها إلى بيت أبيها ، ونحن نزوجك أي امرأة تشاء من كرائم عقيلات قريش ، وهذا الموقف الأخلاقي الذي وقفه ، فقال: لا والله إني لا أفارق صاحبتي .

يا أيها الإخوة الأكارم: أي إنسان يضايق زوجته بخصومة بينه وبين أهلها ، فهذا إنسان دون الخط الأحمر ، أشخاص كثيرون ، لهم زوجات صالحات ، زوجات مخلصات ، زوجات طائعات ، لأن خلافًا نشأ بينك وبين أخيها ، أو بينك وبين أبيها ، تهددها بالطلاق أهذه هي المروءة ؟ ماذا فعلت معك ؟ قال تعالى:

( سورة فاطر: 18 ) .

ولا تزر وازرة وزر أخرى ، لكن العوام والجهلاء حينما يقعون في خصومة مع أهل زوجاتهن ، لا يجدون متنفسًا لهم إلا بإيقاع الأذى بزوجاتهم ، كيدًا لأهلهن .

قال: ولا والله إني لا أفارق صاحبتي ، وما أحب أن لي بها نساء الدنيا جميعًا ، هذه بطولة أن تفصل قضيتك عن قضية أهل زوجتك، هذا الموقف الأخلاقي من أبي العاص هو الذي رده إلى هذا الدين ، هو الذي جعله يسلم ، وهو السبب الذي أكرمه الله بالإسلام بعد إذْ لم يكن مسلمًا، قال: ولا والله إني لا أفارق صاحبتي ، وما أحب أن لي بها نساء الدنيا جميعًا ، أما ابنتاه رقية وأم كلثوم فقد طُلِّقتا ، وحُمِلتا إلى بيته الشريف ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام سُرَّ بردِّهما إليه، وتمنى أن لو فعل أبو العاص كما فعل صاحباه ، لأنه خلصهما من بيت فيه شرك وكفر ، غير أنه ما كان يملك من القوة ما يرغمه على ذلك ، يعني لا يتمكن النبي عليه الصلاة والسلام أنْ يأمر أبا العاص أن يطلق ابنته ، لكن بعد حين أيها الإخوة نزل تشريع خلاصته:

إن المرأة المؤمنة إذا بقي زوجها مشركًا فلا بد أن يفارقها ، لأنها تابعة له ، فقد يأمرها بالمنكر ، وقد يأمرها بالمعصية ، الزواج رق ، وبعد حين شرع الله للمؤمنين ؛ أن الكافر أو المشرك لا يمكن أن يبقى زوجًا للمؤمنة ، وإذا طالب بالمهر هذا من حقه ، يدفع إليه المهر ، ولما هاجر النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة واشتد أمره فيها وخرجت قريش لقتاله في بدر، الآن برَز على السطح موقف حرج جدًا ، قريش كلها خرجت لقتال النبي عليه الصلاة والسلام ، وأبو العاص صهره لا بد من أن يخرج مع من خرج ، وابنته لا زالت عنده ، تحت إمرته ، ولم يكن التشريع قد أنزل بعد ، لكنَّ أبا العاص لم تكن له رغبة في قتال المسلمين ، ولا أرب له في النيل منهم ، إلاّ أنّ منزلته من قومه حملته على أن يسايرهم ، وقد انجلت بدر عن هزيمة منكرة لقريش ، أذلت أنوف الشرك ، وقصمتْ ظهور طواغيته ففريق قتل ، وفريق أسر، وفريق نجاه الفرار ، وكان من زمرة الأسرى أبو العاص ، زوج زينب بنت محمد صلوات الله عليه ، الموقف الصعب حين أن يستعرض النبي الأسرى فإذا أبو العاص بينهم ، لماذا جاء ؟ جاء ليقاتل المؤمنين ، جاء لينتصر عليهم ، فنظر إلى صهره أبي العاص ، وقال كلمة لا تُنسى، قال عليه الصلاة والسلام: والله ما ذممناه صهرًا ، فهل رأيت حُكمًا موضوعيًا أشدَّ من هذا الحكم ؟ يستعرض أسيرًا جاء لقتاله ، جاء لينال منه ، جاء ليقتله ، أو جاء ليقتل أصحابه ، ومع ذلك ما نسي النبي عليه الصلاة والسلام موقفه الشهم من زوجته حينما رفض أن يطلقها وقال والله لا أتمنى أن لي بها نساء العالمين ، قال عليه الصلاة والسلام: والله ما ذممناه صهرًا ، أنصفه ، والإنسان إن لم ينصف فليس مؤمنًا ، من صفات المؤمن إنصاف الناس من نفسه ، وأن يقف عند العدل ، وها قد وقع أسيرًا ، وأضحى أهلُ الأسرى يرسلون فدية ليفتدوا بها أسراهم من النبي عليه الصلاة والسلام ، وهذه زينب وزوجها أسير عند أبيها ، وأبوها نبيٌ مرسل ، وزوجها جاء ليحارب أباها ، وقد وقع أسيرًا عنده ، وينبغي أن تفتديه من أبيها ، هذه قضية خاصة جدًا ، فبعثت زينب رسولها إلى المدينة ، يحمل فدية زوجها أبي العاص ، لكن ما هي هذه الفدية ؟ حينما تزوجت زينب أبا العاص قدَّمت لها أمها هدية ثمينة ، وهي قلادة السيدة خديجة ، حينما زفت إلى زوجها ، وزينب الآن لا تملك إلا هذه القلادة ، فبعثت بها إلى أبيها ليأخذ القلادة ، فلعله يقبل هذه القلادة فداءً لزوجها أبي العاص الأسير عند أبيها ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم القلادة ، وهي لها ، شيء يُبَكِّي ، ابنته تريد زوجها ، وزوجها مشرك ، وهو عند النبي أسير ، ولا تملك إلا هذه القلادة ، والقلادة في الأصل للسيدة خديجة ، فلما رأى النبي القلادة غشيت وجهَه الكريم غلالةٌ شفافة من الحزن العميق ، ورقَّ لابنته أشد الرقّة ، وإنّي أتحيَّر أحيانًا كيف أن أبًا يسحب ابنته من بيت زوجها ، لما اختلف معه ، والبنت تحب زوجها ، تتمنى أن تبقى عنده ، وتحب بيتها ، وأولادها ، لكن قسوة الأب تجعله ينسى المشاعر الزوجية الصادقة فيأخذ ابنته عنوة من بيت زوجها ، فالنبي بكى ، وغطى وجهَه الحزنُ العميق ، ورقّ لابنته أشدّ الرقة ، ثم التفت إلى أصحابه وقال يريد المشورة ، ولم يأخذ قرارًا من طرف واحد ، فالتفت إلى أصحابه وقال: إن زينب بعثت بهذا المال لافتداء أبي العاص ، فإن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردّوا عليها مالها فافعلوا ، يستشيرهم في شأن ابنته ، وفي شأن صهره ، وشأن هذه القلادة ، فهل هي مقبولة عندكم ؟ هل تكفي ؟ هل بعد هذا التواضع من تواضع ؟‍ هل بعد إنكار الذات من فضيلة ؟ قال لأصحابه إن زينب بعثت بهذا المال لافتداء أبي العاص فإن رأيتم أن تُطْلقوا لها أسيرها ، وتردوا عليها مالها فافعلوا ، وأصحابُ النبي يفدونه بأرواحهم ، قالوا: نعم ، ونعِمتْ عينٌ يا رسول الله ، أيْ حبًا وكرامة .

أحيانًا تكون عند صديقك ، والهاتف أمامك ، والصديق يحبك حبًا جما ، فتمسك الهاتف وتتصل ، ولكنّ الأكمل أن تسأله ، أتأذن لي ، أحيانًا بإمكانك أن تأخذ حاجة لصديقك ، ونفسه تطيب بأن تأخذها ، ولكن الأكمل أن تسأله وتستأذنه .

فالنبي استشار أصحابه في شأن صهره ، وفي شأن ابنته ، فلذة كبده ، هذا هو الأكمل ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام اشترط على أبي العاص قبل إطلاق سراحه أن يسيِّر إليه ابنته زينب من غير إبطاء ، بناءً على حكم شرعيٍّ ، خلاصته ألاّ تبقى امرأةٌ مؤمنةٌ عند زوج كافر ، فقد يحملها هذا الزوج على معصية الله ، وقد يأمرها بما يغضب الله ، فالحكم الشرعي ألا تبقى امرأةٌ مؤمنةٌ تحت زوج مشرك أو كافر .

لذلك العوام يقولون: طلقت منه امرأته ، هل تصدقون أن الإنسان إذا سبَّ الدين ولم يتُب فالقضية خطيرة جدًا ، الذي يسب الدين يرتد عنه ، والمرتد تطلّق منه زوجته ، فالقضية كبيرة جدًا .

كان أبو العاص صادقًا ، وفيًا ، فما كاد أبو العاص يبلغ مكة بعد فكِّ أسْره حتى بادر إلى الوفاء بعهده ، فأمر زوجته بالاستعداد للرحيل ، وأخبرها بأن رسل أبيها ينتظرونها غير بعيد عن مكة ، وأعد لها زادها وراحلتها ، وندب أخاه عمرو بن الربيع لمصاحبتها وتسليمها لمرافقيها يدًا بيد ، النبي عليه الصلاة والسلام عفا عنه ، وأطلق سراحه على شرط أن يعيد زينب إلى النبي ، تنكب عمرو بن الربيع قوسه وحمل كنانته ؛ الكنانة جعبة السهام ، وجعل زينب في هودجها ، وخرج بها من مكة جهارًا نهارًا على مرأى من قريش ، فهاج القوم وماجوا ، ولحقوا بهما حتى أدركوهما غير بعيد ، وروَّعوا زينب ، وأفزعوها ، عند ذلك هيَّأ عمرو قوسه ، ونبل نبله ، ونشر كنانته بين يده ، وقال: واللهِ لا يدنو رجلٌ منها إلا وضعت سهمًا في نحره ، وكان راميًا لا يخطئ له سهمٌ ، فأقبل عليه أبو سفيان بن حرب ، وكان قد لحق بالقوم ، وقال له: يا ابن أخي كفَّ عنا نبلك حتى نكلمك ، فكفّ عنهم ، فقال له: إنك لم تصب فيما صنعت ؛ أي لم تكن على صواب ، كنت مخطئًا ، لماذا ؟ لأنك حملت زينب في هودجها جهارًا نهارًا على مرأى من قريش ـ وهذا بعد موقعة بدر حيث سالتْ دماء صناديدهم ، وبرَزتْ حساسيات بالغة ـ فلقد خرجت بزينب علانية على رؤوس الناس ومرأى مِن عيونهم ، وقد عرفت العربُ جميعها أمرَ نكبتنا في بدر ، وما أصابنا على يده أبيها محمد ، فإذا خرجت بابنته علانية كما فعلت ، رمتنا القبائل بالجبن ، ووصفتنا بالهوان والذل ، فارجع بها ، واستبقِها في بيت زوجها أيامًا ، حتى إذا تحدث الناس بأننا رددناها ، فسُلَّها من بين أظهرنا سرًا ، وألحقها بأبيها ، فما لنا بحبسها عنه حاجة ، لكن ليس على مشهد مِن الناس ، المعركة انتهت من قريب ، وقُتِل فيها خلق كثير ، ووقعت نكبة سوداء في قريش ، وتأخذ ابنة محمد على مرأى من الناس إلى أبيها ، فهاج القومُ وماجوا ، وكان أبو سفيان عاقلًا ، فنصحه بأن يأخذها بعد أيامٍ سرًا ، فرضي عمرو بذلك ، وأعاد زينب إلى مكة ، ثم ما لبث أن أخرجها منها ليلًا بعد أيام معدودات ، وأسلمها إلى رسل أبيها يدًا بيد ، كما أوصاه أخوه ، وفُرِّق بين زوج وزوجته بحكم الله عز وجل .

أقام أبو العاص بمكة بعد فراق زوجته زمنًا حتى إذا كان قبيل الفتح بقليل خرج إلى الشام في تجارة له ، فلما قفل راجعًا إلى مكة ومعه عيره التي بلغت مائة ، ورجاله الذين نيفوا على مائة وسبعين بزرت له سرية من سرايا الرسول عليه الصلاة والسلام قريبًا من المدينة ، فأخذت العير، وأسرت الرجال ، لكن أبا العاص أفلَتَ منها فلم تظفر به ، وأُلقِي القبض على مائة وسبعين رجلًا من أتباع أبي العاص أسرى في يد السرية ، وصودرت القوافل بنياقها المائة ، وأصبحت غنائم في أيدي المسلمين ، لكن أبا العاص نجا من الأسر ، فلما أرخى الليل سدوله ، استتر أبو العاص بجنح الظلام ، ودخل المدينة خائفًا يترقب ، ومضى حتى وصل إلى زينب ، زوجته ، واستجار بها ، فأجارته .

ولما خرج النبي عليه الصلاة والسلام لصلاة الفجر ، واستوى قائمًا في المحراب ، وكبّر للإحرام ، وكبّر الناس بتكبيره ، صرخت زينب من شفة النساء ، وقالت أيها الناس: أنا زينب بنت محمد ، وقد أجرتُ أبا العاص ، فأجيروه ، فلما سلم النبي عليه الصلاة والسلام من الصلاة التفت إلى الناس وقال: هل سمعتم ما سمعت ؟ قالوا: نعم يا رسول الله: قال والذي نفسي بيده ما علمتُ بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتموه ، البيان يطرد الشيطان ، هكذا علّمنا النبي ، قد يظنون أن ثمة اتفاق بين سيدنا رسول الله وزينب ، أنه لما أصلي فقولي: قد أجرته ، فبيَّن النبي وأزال الشبهة ، قال: والله لقد سمعت معكم ، وليس بيني وبينها كلام قبل ذلك ، وهو النبي المرسَل ، فقد بيَّن الحقيقة من غير لَبْسٍ.

فإذا كان الإنسان في موقف حرِج يستدعي سؤالًا وجوابًا ، فعليه أنْ يبيِّن ، ويوضِّح ، هذه قاعدة أساسية ، البيان يطرد الشيطان .

ذات مرة زار رجلٌ صاحبًا له في العيد ، وضع له طبقًا من الحلويات مليئًا فأكل قطعة واحدة ، وجاء شخص آخر ، وكان صاحب البيت مشغولًا ، فهذا الثاني بدأ يأكل ويأكل ويأكل حتى لم يبقِ من الطبق إلا القليل ، فوقع الأول في الحرج ، وقد أكل قطعة واحدة ، فلما دخل صاحب البيت قال الأول: واللهِ إني أشهدُ الله أنه يحبك أضعاف ما أحبك ، لأنه أكل من هذا الطبق أضعاف ما أكلت ، فبيَّن ، أنا أكلت واحدة ، هو أكل معظم ما في الطبق ، فالمرءُ يضطر أحيانًا للبيان والتوضيح ، وبخاصّة في المواقف التي فيها تهمة ، فإن وضعتَ نفسك موضع التهمة ولامك الناس فهم مُحِقُّون ،فلا تضع نفسك موضع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك ، فكم كان النبي عليه الصلاة والسلام حريصًا على سمعته ، فعَنْ صَفِيَّةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهَا يَقْلِبُهَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا *

(متفق عليه)

هي القصة تنسحب على آلاف الحالات ، كنتَ مع صديقك في نزهة ، والمصروف مشترك ، يقول أحدكما للآخر: ليس لك ولا عليّ شيء ، فالحساب كان مناصفة بيني وبينك ، بَيِّنْ له المدفوعات والمقبوضات كلها ، لكن من دون بيان ، يجري في القلب شيءٌ ، فوضِّح الحساب ، وإنْ تأخرتَ فَبَيِّن السبب ، قضية لم تنتهِ أعلِمْ صاحبك ، وبَيِّن السبب ، هذه قاعدة أساسية في التعامل مع الناس ، البيان يطرد الشيطان ، في التعامل ، في العلاقات الاجتماعية ، في الشراكة، في الزواج ، بيِّنْ ما الذي دفعك إلى هذا الموقف ، فإنْ لم تبيِّن أساء الناسُ الظنَّ بك ، فوقعتْ العداوة والبغضاء .

فالنبي علمنا قال: والذي نفسي بِيَدِه ما علمت بشيء من ذلك حتى سمعت ما سمعتموه ، وإنه يجير من المسلمين أدناهم ، ثم انصرف إلى بيته ، ولم يقل: ابنتي أشرفُ بنتٍ على الأرض ، بل قال: وإنه يجير من المسلمين أدناهم ، قلم يرفعها إلى أعلى درجة ، لأنها ابنته فقط ، وعبارتُه تفيد أنّه عدَّها من أدنى المسلمين ، وأدنى المسلمين يجير أعلاهم ، انتبهوا إلى نصيحة النبي ، قال: يا بنيتي ، أكرمي مثوى أبي العاص ، واعلمي أنك لا تحلِّين له ، ثم دعا رجال السرية التي أخذت العير ، وأسرت الرجال وقال لهم: إن هذا الرجل منا - هذا صهري - حيث قد علمتم ، وقد أخذتم ماله ، فإنْ تحسنوا إنْ شئتم ، والأمر عائد إليكم ، وأنتم أصحاب حق ، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له كان ما نحب ، أيْ أنا يسرني أن تعيدوا له البضاعة والأحمال والرجال ، وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاء عليكم ، وأنتم به أحق ، هكذا يكون الموقف الصحيح، ولو أنّ المال يخصّ ابنته وصهره ، ثم قال: هذا المالُ فيء الله ، إن أردتم أن تردوا عليه ماله فيطيب قلبي بذلك ، وإن أبيتم فهو فيء الله ، وأنتم به أحق ، انظُرْ إلى أسلوبِ التعليم في أحسن صوره .

إذا كنت بموقع قيادي فاستشِرْ ، واجعلْ للذين حولك شأنًا ، خذ رأيهم ، لا تقطع أمرًا دونهم ، وشاورهم في الأمر ، وهو السيد المعصوم ، وهو الذي يوحى إليه ، وهو سيد الخلق ، وحبيب الحق ، ومع ذلك قال: إن هذا الرجل منا حيث قد علمتم ، وكان زوج ابنتي ، وصهري ، وقد أخذتم ماله ، فإن تحسنوا إن شئتم ، والأمر عائد إليكم ، وأنتم أصحاب حق ، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له ، كان ما نحب ، وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاء عليكم ، وأنتم به أحق .

أحيانًا قد تطلب من شخص أنْ يبيع حاجة بلا ثمن لصاحبك ، هذا تطاول ، ولكن قل له: إذا راعيته أكون لك من الشاكرين ، فالنبي عليه الصلاة والسلام خبير بحقائق النفس البشرية ، والصحابة طابت نفوسهم بهذا التواضع ، وهذه الاستشارة فقالوا جميعًا بل نرد عليه ماله يا رسول الله ، كما تريد ، وكما تحب ، لو أنه اتخذ قرارًا من جانب واحد ، وقال: أعطوه الذي أخذتموه من ، لكان تفردًا بالقرار ، فلما جاء لأخذه ، هنا الموقف الأخلاقي ، قالوا: يا أبا العاص إنك في شرف من قريش ، وأنت ابن عم رسول الله وصهره ، فهل لك أن تُسْلِم ، ونحن ننزل لك عن هذا المال كله ، فتنعم به ، وبما معك من أموال أهل مكة ، وتبقى معنا في المدينة، وهذا حكمٌ شرعي ، إليكم بيانُه .

فالحكم الشرعي أنّ هذا الرجلَ إذا أسلم ومعه أموال الكفار ، انقلبت هذه الأموالُ فجأة إلى غنائم ، ونحن نسامحك في نصيبنا ، خذها كلها ، وانْعَمْ بها ، وعش في بحبوحة ، موقفك شرعي ، أنت أسلمت ، فلما أسلمت أصبح مال كفار مكة غنائم ، والغنائم تأخذها حلالًا ، فاسمعوا الجواب ، فقال: بئسما دعوتموني إليه ، أنْ أبدأ إسلامي الجديد بغدرٍ ، معاذ الله أنْ أبدا الإسلام بهذا الغدر ، أخذ أموالَ مائةِ بعيرٍ ليتاجر بها ، فوقع أسير ، ثم أسلم في أثناء الأسر ، فانقلبت أموال الناس غنائم ، تنازلوا له عن حصصهم فأخذها ، وعاش في بحبوحة ، وبقي في المدينة ، وزوجته إلى جانبه ، وانتهى الأمر ، فما قولك ؟ قال: بئسما دعوتموني إليه ؛ أن أبدأ ديني الجديد بغدر ، ومضى أبو العاص بالعير وما عليها إلى مكة .

يا أخي هذا شيء عجيب !!! هؤلاء مشركون ، ولديهم هذه الأخلاق والقيم ، وفي أيامنا والمجتمع مسلم يبيع أباه بمائة ليرة ، واللهِ حدثني ضابط بالجمارك ، قال: واللهِ جاءتني تقارير مِن آباء على أولادهم ، ومِن أبناء على آبائهم ، وشاية ، شيء عجيب .

مضى أبو العاص بالعير وما عليها إلى مكة ، فلما بلغها أدَّى لكل ذي حقٍ حقَّه ، ثم قال: يا معشر قريش ، هل بقي لأحدٍ منكم عندي مال لم يأخذه ؟ قالوا: لا ، وجزاك الله عنا خيرًا ، فقد وجدناك وفيًا كريمًا ، قال: أما وإني قد وفّيتُ لكم حقوقكم ، فأنا الآن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله .

هذا إسلام في الوقت المناسب ، بعدما أدى ما عليه ، فالإنسان لا يستغل الدين لمصالحه الشخصية ، فلو أسلم لانطبق عليه الحكم الشرعي ، أسلم ومعه أموال الكفار ، إذًا هي غنائم يأخذها ، لكن يا ترى لو فعل هذا لعَدُّوا هذا تواطُؤًا ، ولعدُّوا هذا غدرًا ، ومؤامرة ، وشوَّه بذلك سمعة المسلمين بين القبائل .

قال: والله لا أبدأ إسلامي بغدرٍ ، فلما ذهب إلى مكة أعطاهم أموالهم جميعًا ، وقال: هل بقي لكم عندي شيء ؟ قالوا: لا ، قال فإني الآن أشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، ثم قال: واللهِ ما منعي من الإسلام عند محمد صلى الله عليه وسلم إلا خوفي أن تظنوا أني إنما أردتُ أن آكل أموالكم .

هناك مواقف كثيرة جدًا تفعلها وأنت على حق ، لكن يمكن أن تُفَسَّر تفسيرًا آخر ، فلما أداه الله إليكم ، كيف عرف ذلك ؟ قال من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ، الله ربُّ النوايا، إذا نويت أن تعطي هذه الأموال لأصحابها أدى الله عنك ، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ، إن أخذها يريد أداءها أدَّاها الله عنه ، وإن أخذها ليتلفها أتلفه الله ، ثم خرج حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرم وفادته ورد إليه زوجته ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول عنه: أبو العاص حدثني فصدقني ، ووعدني فوفَّاني .

هذا الإنسان كم موقفٍ أخلاقي رفعه الله عز وجل ، أولًا: لم يطلّق زوجته ، قال: واللهِ لا أطلقها ، ثانيًا: ما رضي أن يأخذ مالًا بغدرٍ ، ثالثًا: بعد أن أدى ما عليه أعلن إسلامه ، وعاد إلى زوجته ، وليعلمْ كلُّ مسلم أنّ لكل شيء وقتًا مناسبًا ، ومَن تعجَّل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه .

قبل أن ينتهي الدرس هناك سؤال أو سؤالان ، الاسنتباطات التي يمكن أن تفيدنا في حياتنا اليوم: لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ، شيء جميل ،هذا استنباط .

استنباط آخر: المشاورة تجعل قلوب الناس تهفو إليك ، أمّا التفرد بالرأي فينفِّر الناس عنك ، شاوَر أصحابه ، حتى في أمر خاص ، في أمر ابنته ، في أمر صهره ، شاوَرهم .

الملاحظة الثالثة: البيان يبيِّن الملابسات ، مرة حدثني أخ يسافر للمحافظات في عمله التجاري ، فنسي وثيقة في المحل ، تذكرها الساعة الثانية عشرة ليلًا ، فركب مركبته ، وانطلق إلى محله التجاري ، وكان ضمن سوق مغلق ، وله حارس ، رأى هذا الحارس رجلًا يأتي في منتصف الليل ليفتح محله التجاري ، الذي يشاركه فيه تاجر ، قال له: أيها الأخ أنا نسيت ورقة أساسية ، وجئتُ لآخذها ، حتى لا يظن شيئًا ، أنه لعب على الشريك ، بيِّن للحارس ، بيِّن للآذن، بيِّن للحاجب ، فإذا بينت ينتهي الأمر دون ظنون أو شكوك ، فلو لم يبيِّن للحارس فقد يتّهمه شريكه ، ويقع في مشاكل، فالبيان يطرد الشيطان .

هذه زوجتي فلانة ، وهذا البيان من النبي ينسحب على آلاف الحالات ، وكم من سوء ظن ، وكم من هدم أُسَر ، وكم من مشكلة وبيلة وقعت بسبب الإهمال في التبيين .

أيضًا السيدة زينب أجارت أبا العاص ، لكن النبي بيّن الحكمَ الشرعي ، لم يرفض العمل الصالح، لكن نبهَّها إلى أن هذا الرجل لا يحل لك ، أكرميه ، لكنه لا يحل لك .

أنا أعرف أناسًا كثيرين قاربوا أن يطلقوا زوجاتهم لخصومة وقعت بينه وبين أهل زوجته ، هذا عمل غير أخلاقي ، القاعدة الأساسية ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، نشأت خصومة مع والدها ، مع أمها ، مع أخيها ، من أجل هذه الخصومة تطلقها ؟ أو تسيء إليها ؟ .

وهذه فقرة فيها إيضاح لغوي لا بد منه ؛ كلمة (قُمّة) صوابها (قِمّة) ، القُمة هي القُمامة ، والفرق كبير جدًا بين القُمة وبين القِمة ، ومعظم الإخوان الكرام إذا قالوا كلمة قِمة يقولون قُمة ، القُمة هي القمامة ، فإياك أن تغلط هذه الغلطة ، القِمة ، الأخ الكريم يقول: إن قِمة العفو مع قِمة القوة .

أمّا موقفه الأخلاقي ، فأولًا: حينما ردّ الأموال عُرف أنّ المسلم إنسان صادق ، وكذلك أنه رَفَض أنْ يطلق زوجته ، فأحبَّه النبي ، وكان موقف النبي متعاطفًا معه فما السبب ؟ لأنه وقف موقفًا أخلاقيًّا يُسجَّل له ، لا عليه .

أنت قد تتعامل مع ناس ليس فيهم دين - هذه نقطة مهمة جدًا - فكُنْ ذكيًّا ، إذا وقفت موقفًا أخلاقيًّا منهم ، هو لا يصلي ، هو لا يصوم ، وربما يشرب الخمر ، لكنّه يبقى إنسانًا ، فإذا أخذت موقفًا أخلاقيًّا فقد تكسبه .

حدثني أخ كان في بلد عربي ، وفيه حركة هداية للإسلام ، منها توبة بعض الفنانات ، وقد وجدتُ في معرَض مكتبة الأسد كتيبًا عن الفنانات المحجَّبات ، شيء رائع جدًا ، امرأة كانت راقصة ، ثم تتوب ، وتتحجب حتى الوجه ، فقرأت الكتاب ، اشتريته وقرأته لفت نظري أن واحدة سئلت ما الذي دفعك إلى أن تتوبي ؟ فقالت: أنا حينما زرت صديقاتي اللواتي سبقنني إلى التوبة ، وجدت مجتمعهن مجتمعًا مثاليًّا ، فيه الصدق ، وفيه الحب ، وفيه التناصح ، وفيه السعادة ، وبينما أعيش في مجتمعٍ يسوده الكذب ، والطعن ، والريبة ، والشقاء ، وفي بالقصة مغزى عميق فمَن يكشفه لنا ؟ لماذا أسلمت ؟ لأنها وجدت مجتمع زميلاتِها التائباتِ أرقى بكثير من مجتمعها هي ، ومغزى آخر لم أُشِرْ إليه ، فلو أن هؤلاء المسلمات التائبات رفضنها ، وطردنها لما عرفت الحقيقة ، ولمَا تمادتْ في الضلال .

فأنت كمسلم ، لا تعادِ شخصًا بلا دين ، ولا يصلي ، ماله حرام ، ويشرب الخمر ، ويفطر في رمضان ، أغمِضْ عينيك عنه ، وادعُ الله أن يعافيه ، وخاصّة إذا لم يكن معاديًا لك ، فكنْ أخلاقيًّا أمامه ، ليرى مَن هو المسلم ، الإنسان الصادق ، الأمين ، الأخلاقي ، المتواضع ، الذكي، المتفوق بعمله ، فلعل هذا يبصِّره بحقيقة الإسلام .

يقولون: إن روجي جارودي ، هذا زعيم الحزب الشيوعي بفرنسا ، وأسلم ، فهل تصدقون أن سبب إسلامه يعود إلى أربعين سنة سابقة ، هذا وقع أسيرًا في الحرب العالمية الثانية ، وجاء أمرٌ بقتله ، الأمر جاء لجندي مغربي مسلم ، هذا الجندي المغربي المسلم قال له: أنا مسلم ، وديني يمنعني أن أقتل الأسير ، فاهرب ، ما الذي أنجاه من الموت ؟ الذي أنجاه من الموت المحقَّق أنّ هذا الجندي المغربي أبلغه أن الإسلام يمنعنه مِن قتل الأسير ، وهذا الموقف الأخلاقي تفاعل مع هذا الإنسان أربعين عامًا ، حتى حمله على أن يصبح مسلمًا ، وجاء إلى الشام ، وله كتب كثيرة ، إنسان يرأس حزبًا ، يعلن أنه (لا إله في الكون) ثم يصبح مسلمًا ، أن أرجِّح أن موقف هذا الجندي المغربي الأخلاقي ساهم إلى حد كبير في إسلامه .

وأنت يمكن أن تنقذَ أيَّ إنسان حولك ليس فيه دين إطلاقًا ، فكنْ معه صادقًا ، وفيًّا ، مخلصًا ، كن معه متقنًا لعلمك ، فبذلك كلِّه يمكنك أنْ تُلفِت نظره .

في أثناء أداء فريضة الحج العام الماضي ذكروا لي أن حاجًّا ألمانيًّا سألوه عن سبب إسلامه فقال: طالب سوري كان عنده في البيت ، ولهذا الرجل الألماني فتاة جميلة ، وليس عنده مانع أنْ تكون صديقة لهذا الطالب السوري ، والأمور عندهم سهلة جدًا ، من غير تكلُّف ، فلذلك لفت نظره أن هذا الطالب ما نظر إلى ابنته أبدًا ، تمنَّى أن يضبطه مرة وهو ينظر إليها فيعنِّفه ، وأخيرًا سأله: ألست من بني البشر ؟ أنت شاب ، وهذه الفتاة في البيت ، فقال: ديني يمنعني أن أنظر إليها ، وسمعت من مدة ، وقد جاءتنا وزيرة من بريطانيا ، وقابلتْ مهندسًا يبدو أنه متمسك بدينه ، فما صافحها ، وقد مدَّتْ يدها له ، فانزعجت كثيرًا ، فسألتْ وهي في قاعة الشرف: مَن هذا الذي لم يصافحني ؟ أريد أن أكلمه ، فجاء ، وقال لها: إسلامي يمنعني أن أصافحك ، قالت: لو أن جميعكم مثل هذا الإنسان لغلبتمونا ، نحن نريد إنسانًا متمسكًا بالدين .

المغزى الأساسي أن النبي الكريم يعرفه أنه مشرك ، ويعرف أنّه جاء ليقاتله ، رغم ذلك أعلمه أنني لا أنسى موقفك الأخلاقي السابق ، قال: واللهِ ما ذممناه صهرًا ، فلما وقع أسيرًا أحسن إليه ، فَمَلَكَه بهذا الإحسان ، إن رأيتم أن تردوا له ماله فافعلوا ، هذا مما أحبَّ أنْ يفعله أصحابه ، المواقف الأخلاقية تفاعلت إلى أن حملته على الإسلام ، الآن بالعكس ، تتعامل مع مسلم فيسبِّب لك مشكلة ، ويكذب عليك ، ويغشك ، فيبدو من خلال أفعالِه هذه أنّ الدين باطل ، وأن الدين كله خلط ، فأنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك ، أنت سفير تمثل المسلمين ، فكن ملتزمًا بدينك تكنْ داعيةً للإسلام، وأنت ساكت .

والحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت