فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 69

الدرس 12/ 50: سيرة الصحابي: مصعب بن عمير ، لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي

تفريغ: م . م . حسان العودة

التدقيق اللغوي: الأستاذ غازي القدسي .

التنقيح النهائي: المهندس غسان السراقبي .

بِسْمِ الله الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علمًا و أرنا الحق حقًا و ارزقنا إتباعه ، و أرنا الباطل باطلًا و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أيها الأخوة الأكارم:

مع الدرس الثاني عشر من دروس سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم أجمعين . صحابي اليوم شاب متألق أشد التألق ، رخيٌ ، يرفل في حلل أنيقة ، كان مضرب المثل في شباب قريش ، إنه: مصعب بن عمير.

وقبل أن أمضي في الحديث عن هذا الصحابي الجليل ، لا بد من تعليق ضروري ، لماذا ندرس سير صحابة رسول الله ؟ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

إن الله اختارني ، واختار لي أصحابي .

فأصحابه نماذج للبطولة ، كل صحابي يمثل ـ بالتعبير الاجتماعي ـ نموذجًا اجتماعيًا .

فأحدنا إذا قرأ سير صحابة رسول الله ، لابد من أن يجد في بعض الصحابة ما ينطبق عليه ، فيعد هذا الصحابي إذًا لهذا الأخ الكريم قدوة .

سيدنا مصعب بن عمير ، شاب من شباب مكة الذين يشار إليهم بالبنان ، منحه الله وسامة ونجابة ، ومروءة ، وحدّثْ عن هذا ولا حرج ، لكن الذي كان يلفت نظر الناس إليه أناقته المتناهية ، أثوابه الجميلة ، رقة حاشيته ، وقد تجد في شباب اليوم من يستهويه الثوب الأنيق ، والشعر المرجل والرائحة العبقة ، والأناقة في الحديث ، والتعبير ، والحركة ، والثياب والبيت ، هذا الصحابي ، يمثل هذا النموذج .

يصفه كتاب السيرة بأنه كان فتى ريان ، مدللًا ، منعمًا ، كان حديث حِسان مكة ، لؤلؤة ندواتِها ومجالسها .

انظروا أيها الأخوة:

إلى هذا الشاب الأنيق ، الناعم ، الذي حباه الله ببحبوحة الحياة و بأناقة المظهر ، وبحسن الطلعة ، هذا الشاب سمع حديث النبي عليه الصلاة والسلام ، وكيف أنه جاء بالتوحيد ، وكيف أنه دعا الناس إلى الإسلام وكيف أنه مع أصحابه القلة ، الخُلّص ، كانوا في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، هذا الصحابي ، بدافع حب الحقيقة ، بدافع رغبته الجامحة في معرفة شأن هذا النبي ، توجه إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم ، ليلتقي النبي عليه الصلاة والسلام ويبدو أن هذا الشاب ينطوي على حب للحقيقة ، وإيثار للحق ، فما إن رأى النبي عليه الصلاة والسلام حتى تجاوبت نفسه معه ، وهفا قلبه إليه ، ومد النبي عليه الصلاة والسلام يده ليصافحه ، وليمسح عن صدره آثار الجاهلية ، وكانت لحظة إيمانٍ رائعةٍ سرت في أحناء هذا الصحابي الجليل ، وأعلن إسلامه على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولكن !. لِهذا الصحابي أم أسمها خناس بنت مالك ، تتمتع هذه الأم بقوة في شخصيتها فذة ، وقد تجد في كل عصر أمًا قوية الشخصية يهابها أبناؤها ، إلى درجة الخوف ، يأتمرون بأمرها بقوة سحرية يخافون غضبها ، يرجون رضاها ، أم هذا الصحابي الجليل سيدنا مصعب بن عمير ، اسمها خناس بنت مالك ، تتمتع بقوة فذة في شخصيتها ، وكانت مهابةً إلى حد الرهبة . قال مصعب حينما أسلم: لم يكن يخاف أحدًا ، ولا يخشى أحدًا ولا يحسب حساب أحدٍ إلا أمه ‍، لو قيل له واجه الناس جميعًا ، واجه كل من في مكة لا يهابهم ، لكن قلبه كان يرتعد ، وأعصابه تتوتر حينما يذكر كيف سيواجه أمه بإسلامه .

كما هي العادة فكر في كتمان إسلامه ، كتم إسلامه وبالمناسبة: فإن الإنسان أحيانًا يمرُّ في ظروف صعبة جدًا ، وفي حالات استثنائية يجد من المناسب أن يكتم إيمانه ، وقد ورد في القرآن الكريم إشارة إلى ذلك:

( سورة غافر: 28 ) .

في حالات صعبة جدًا ، وفي ظروف قاهرة ،وفي فتن مستعرة وفي حالات حرجة لا تستطيع أن تظهر ، والله عز وجل ما كلف الإنسان فوق طاقته ، فهذه الإشارة في القرآن الكريم ، تسلية لكل من كتم إيمانه:

( سورة غافر: 28 ) .

فسيدنا مصعب رأى من المناسب أن يكتم إيمانه أو إسلامه عن أمه ، فظل يتردد على دار الأرقم بن أبي الأرقم ، ويجلس إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو قرير العين بإيمانه، لكنه تفادى غضب أمه بهذا الكتمان هناك قاعدة أنه لا شيء يختفي ، مهما حاولت أن تخفي شيئًا لا بد وأن يظهر ، بالمناسبة ، إذا أيقنت أن شيئًا لا يختفي فكن صادقًا ، هذه الحقيقة إذا ظهرت بادئ ذي بدء منك أفضل من أن تظهر ، أو أن تضبط متلبسًا بها .

على كلٍ رجل اسمه عثمان بن طلحة ، أبصر به وهو يدخل خفية إلى دار الأرقم ، هذا الرجل عثمان بن طلحة حينما رآه يدخل دار الأرقم ، سابق الريح إلى أمه ليخبرها أن أبنك يتردد على دار الأرقم مقر النبي عليه الصلاة والسلام ، حينما واجهته أمه ، يعني ضبط متلبسًا ، وهو يدخل دار الأرقم ، أجل حينما واجهته أمه ما استطاع أن ينكر الحقيقة ، بل قرر أن يظهرها ، وقف أمام أمه وعشيرته وأشراف مكة المتجمعين حوله يتلو عليهم في يقينٍ ، وثباتٍ القرآن الذي غسل قلبه وغذّى فؤاده ، وملأ جوانحه سعادة .

ألم أقل لكم قبل قليل أن أمه كانت قاسية جدًا ، همت أمه أن تسكته بلطمة قاسية ، ولكن اليد التي امتدت لتلطمه ، ما لبثت أن استرخت وترنحت أمام النور الذي زاده وسامة في وجهه .

يعني لا أدري ماذا أقول لكم ، المؤمن أحيانًا يهبه الله هيبة ورقة ، و وضاءة ، وجمالًا ، بحيث إن الذي يريد أن يناله بالأذى يجمد في مكانه .

وذات مرة وقف الحسن البصري رحمه الله تعالى ، موقفًا فيه جرأة بالغة جدًا ويعني بلغة العصر تهوّر ، بلغ الحجاجَ موقفُه ، وانتقادهُ فأمر السياف أن يقطع رقبته ومُدّ النطع في مجلس الحجاج ، والنطع عبارة عن جلد إذا قطع رأس هذا الرجل ، لئلا تصل الدماء إلى الأثاث الفخم ، والطنافس ، والأرائك ، فيمد جلد كبير جدًا ، يقف هذا الذي يراد أن يقطع رأسه في وسطه وتضرب عنقه ، فإذا نفر الدم أصاب هذا النطع ، أجل مد النطع ، وطُلب الحسن كي تقطع رقبته ، فلما دخل الحسن البصري على الحجاج ، تمتم بشفتيه ولم يسمع أحد ماذا قال لكنه فيما يبدو طلب من الله عز وجل أن يحميه ، من بطش هذا الرجل ، و ما إن دخل ووجهه يتلألأ نورًا ، حتى وقف له الحجاج ودعاه إلى أن يجلس جنبه ، وسأله الدعاء وآنسه ، وطيب قلبه ، واحترمه أشد الاحترام ، وضّيفه ، ثم ودعه فالسياف وقف مذهولًا ، لا يدري ماذا يقول ، إذًا فلماذا جئتم بي إلى هنا .

فالمؤمن له هيبة أيها الأخوة ، والله ، إذا كنت مع الله لاكتسبت هيبة لا يعلمها إلا الله ، من هاب الله هابه كل شيء ، المؤمن له هيبة ، له شخصية قوية ليست من صنعه ، ولكن من تفضل الله عليه . على كلٍ هذا الصحابي الجليل حينما همت أمه أن تلطمه على وجهه وهو يتلو القرآن ، استرخت يدها ، وأخذت بأنوار وجهه ، لكنها ما لبثت أن أخذته بعد أن تلا على قومه القرآن ، لتحبسه في غرفة قصية من غرف البيت وكأنها بسذاجة إذا حبسته كف عن متابعة النبي الكريم ، وعن زيارته ولكن كان حبسها له بلا جدوى.

وبلغ سيدنا مصعبًا أن النبي عليه الصلاة والسلام ، أمر أصحابه ، أن يهاجروا إلى الحبشة ، بطريقة أو بأخرى ، فانسل من غرفته القصية ، التي حبسته أمه بها ، ولحق بالقافلة ، وهاجر مع من هاجر إلى الحبشة ، وبعد أن أقام هناك ردحًا من الزمن ، عاد والتحق بالنبي عليه الصلاة والسلام ، وخرج يومًا على بعض المسلمين .

وهم جلوس حول النبي صلى الله عليه وسلم بثياب رثة بالية بينما كان يرتدي أجمل الثياب ، وأغلاها ثمنًا وأكثرها أناقة في الجاهلية .

يعني أن المجتمع الراقي بالتعبير اليومي فيه من يقول لك: بأن بذته اشتراها بثمانين ألف من لندن وحذاؤه بثمانية عشر ألفًا فهناك أشخاص يكتسب مكانته من ثيابه فقط ، وهذا مصداق ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: في آخر الزمان ، قيمة الرجل متاعه .

هذا الصحابي يمثل الطبقة الغنية ، الأنيقة ، صاحبة الأذواق الرفيعة ، في اختيار الثياب ، في اختيار الحاجات . فخرج يومًا على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما إن بصروا به ، حتى حنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم ، وذرفت بعض عيونهم دمعًا شجيًا . ذلك أنهم رأوه يرتدي جلبابًا مرقعًا باليًا ، وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه ، حيث كانت ثيابه كزهور الحديقة نضرة ، وعطرة ...

تمّلى النبي الكريم تملاه جيدًا ، تملّى مشهده بنظرات حكيمة شاكرة ، محبة ، وتألقت على شفتيه ابتسامة جليلة وقال: لقد رأيت مصعبًا هذا ، وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه ، ثم ترك ذلك كله حبًا لله ورسوله .

فلتقف إذًا وقفة قصيرة . يعني إذا كان الإنسان ذا دخل محدود ، وبإمكانه أن يحصل على أموال طائلة بطريق غير مشروع ، فاختار طاعة الله ، ودخله المحدود جعله يرتدي ثيابًا من الدرجة الخامسة ، وبيته متواضع ، وأكله خشن ، فأنا أرى أن هذا وسام شرف ، كله زائل أيها الأخوة ، يعني إذا أنت آثرت الحق آثرت أن تستقيم على أمر الله ، آثرت أن ترضي الله عز وجل ، آثرت ألا تأكل حرامًا ، آثرت أن تأكل من كد يدك ، وعرق جبينك ، آثرت ألا تأكل مالًا ليس لك ، هذا الدخل الشرعي الحلال ، الطيب ، قليل لكن هذا الدخل القليل جعلك

تسكن بيتًا صغيرًا ، وأن تأكل طعامًا خشنًا وأن ترتدي ثيابًا من الدرجة الخامسة ، فهل تستحيي مما أنت عليه ؟ إن كنت تستحيِ مما أنت فيه ، فأنت لا تعرف الله .

والله أخٌ كريم محامٍ ، قال لي: يا أستاذ: جاءني رجل عرض عليّ قضية لأكون وكيلًا له فيها وهذه القضية مشمولة بقانون العفو فكنت صادقًا معه ، قلت له يا فلان قضيتك لا تحتاج إلى محامٍ ، تقدم بطلب إلى المحكمة الفلانية ، وسيصدر حكمٌ فوري بإعفائك من هذه الجنحة لأن قانون العفو يشملك ، لكنه لم يقتنع فذهب إلى محامٍ آخر بث في روعه أن القضية خطيرة جدًا ، و يجوز أن يسجن فيها عشر سنوات ، حتى ابتز منه عشرين ألفًا ، ولم يكتفِ بهذا بل اتهمني أنني لا أفقه شيئًا بالمحاماة وقال عني:هذا أجدب ، مو فهمان …. فكان هذا المحامي متألمًا لما اتهم به . أما أنا فوالله أيها الأخوة ، حينما قال لي هذا الكلام ، رأيته إنسانًا كبيرًا في نظري قلت له والله كلام الناس عنك ، بأنك محامٍ مبتدئ أو ساذج، والله هذا وسام شرف عند الله عز وجل ، هذا هو المؤمن ، وهكذا يجب أن يكون .

أنا أتمنى على إخواننا الكرام أن يتحلوا بالاستقامة ، فالإنسان عندما يستقيم فقد تكون عنده إمكانيات كبيرة ، ولكن إذا استقام وأرضى الله عز وجل فهو ملِك في الدار الآخرة .

فمصعب بن عمير ، من أسرة غنية جدًا ، ولو بقي على دين آبائه لعاش حياة ناعمة جدًا ، لكن لأنه أسلم ، والتحق بالنبي عليه الصلاة والسلام ، وكان أصحاب النبي رضوان الله عليهم فقراء ضعفاء:

( سورة هود: 27 ) .

أي فقراء وهذا شأن كل نبي ، كبراء القوم ، أصحاب الغنى ، هؤلاء غارقون في شهواتهم ، أصحاب القوة غارقون في وجاهاتهم ، لكن الضعاف يتبعونه ، هؤلاء الضعاف سيغنيهم الله عز وجل .

وهذه كلمة قالها النبي الكريم ، لعدي بن حاتم ، لا أنساها ما حييت ، قال له:

لعلك يا عدي ، إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ، من فقرهم ، وايم الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه ، ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة البابلية تحج البيت على بعيرها لا تخاف ، ولعله إنما يمنعك من دخول في هذا الدين أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم ، فو الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البابلية مفتحة للمسلمين .

فالبطولة أن تكون مع الحق ، وليكن ما يكون ، البطولة أن تكون على منهج الله عز وجل غنيًا كنت أو فقيرًا ، طبعًا الغنى مع الإيمان وارد ، فسيدنا ابن عوف كان غنيًا ، وكان يقول وماذا أفعل والله لأدخلتها خببًا ، فلقد جاءته قافلة من سبعمائة بعير محملة ببضاعة ثمينة من الشام ، حتى ضجت أسواق المدينة ، فقالت عائشة ما هذا الضجيج ؟ قالوا قافلة لعبد الرحمن بن عوف ، فقالت: أخشى أن يدخل الجنة حبوًا فلما بلغه ذلك قال والله لأدخلنها خببًا ، وما عليّ إذا كنت أنفق مائة في الصباح فيؤتيني الله ألفًا في المساء ، اشهدوا أن هذه القافلة كلها لله عز وجل . تصور والآن أن واحدًا جاءته قافلة من سبعمائة سكسويل سبعمائة شاحنة براد كبيرة، سبعمائة ، فقال اشهدوا أنها كلها في سبيل الله . على كلٍ فالنبي الكريم قال عن هذا الصحابي: لقد رأيت مصعبًا هذا وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه ، ثم ترك ذلك كله حبًا لله ورسوله .

إذا كنت مستقيمًا ، وحياتك متواضعة فافتخر وازهو.

( سورة الأحزاب: 71 ) .

( سورة الأعراف: 128 ) .

( سورة الحجرات: 12 ) .

آيات كثيرة ، تبشر المستقيمين على أمر الله ، بالفوز في الدنيا والآخرة ، حاولت أمه مرة ثانية أن تحبسه ولكنه أصر وقال: والله لأقتلن كل من تستعين به أمي على حبسي ، علمت أنه صادق وأنه يعني ما يقول ، فكفت عنه .

فلما جرى نقاش بينه وبينها قال لها يا أمي: إني لك ناصح وعليك شفوق ، فاشهدي أنه لا إله إلا الله ، وأن محمدًا عبده ورسوله أجابته غاضبة مهتاجة: قسمًا بالثواقب لا أدخل في دينك ، فيزرى برأيي ويضعف عقلي .

والله هذه عقلها ضعيف ولو أن عقلها كان راجحًا لآمنت بالنبي عليه الصلاة والسلام .

قال عليه الصلاة والسلام: أرجحكم عقلًا أشدكم لله حبًا .

و حينما أسلم وأصر على إسلامه ، وترك دين آبائه ، حرمه أهله من كل شيء ، يقول كتاب السيرة: خرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثرًا الشظف والفاقة وأصبح الفتى المتأنق المعطر ، لا يرى إلا مرتديا أخشن الثياب . أنا أعرف فتاة مؤمنة تنتمي إلى أسرة غنية جدًا ، لكنها اصطلحت مع الله وأنابت إليه ، فحينما أنابت إلى الله عز وجل ما بقي أحد من الشباب الأغنياء الذين يعرفونها قبل توبتها يرغبون بها خطبها رجل فقير دخله محدود ، فقلبت ، وانتقلت من بيت واسع جدًا إلى بيت صغير ، ومن طعام نفيس ، إلى طعام خشن ومن ثياب أنيقة إلى ثياب متوسطة معتدلة ، وقالت بملء فيها: أنا سعيدة بمعرفة الله ، وسعيدة بهذا الزوج ، وأنا أرضى أن أتخلى عن كل دنياي من أجل طاعة الله عز وجل .

أعرف فتاة سمعت عنها ، وأن أباها يدير أكبر ملهى من الملاهي التي تدر عليه أرقامًا فلكية ، ولو أنها طلبت من أبيها عدة ملايين لأعطاها إياها لكنها تعمل معلمة في إحدى قرى دمشق وتأكل من دخلها ولا تأخذ من مال أبيها شيئًا ، لأنها تعتقد أن مال أبيها كله حرام .

فهذه الأخبار عن مصعب تعني أن هذا الصحابي الجليل نموذج لكل شاب ، ينتمي إلى أسرة غنية فلما خرج عن نمط حياة أسرته ، وحرمه أهله ، عاش حياة متقشفة فله بهذا الصحابي الجليل ، أسوة حسنة . مرة ثانية لأنك مستقيم فدخلك محدود ، والله عز وجل لحكمة أرادها جعل الحرام سهلًا ، وجعل الحلال صعبًا ، الحرام سهل ، يعني امرأة تشتغل أحيانًا ثماني ساعات تأخذ مائة وخمسين ليرة في خدمة شاقة في البيوت ، وامرأة تبيع ما وهبها الله من جمالٍ تبيعه بمبالغ طائلة لوقت قصير ، فهذه امرأة وهذه امرأة !! ولكن أين الثرى من الثريا؟

و الإنسان حينما يخلص لله عز وجل ربنا عز وجل يندبه لأعظم المهمات ، وعندما يخلص ، فالله عز وجل يستخدمه في الحق .

سيدنا رسول الله عليه الصلاة والسلام كان في أصحابه من هو أكبر من مصعب سنًا ، وأعلى شأنًا ، وأكثر جاهًا ، وأقرب إلى النبي نسبًا ، لكن عليه الصلاة والسلام ندبه ليكون خليفة له في المدينة قبل أن يهاجر إليها .

وهناك بالسيرة أمرٌ أقف أمامه محتارًا ، أنه حينما هاجر النبي إلى المدينة ، كيف أن أهلها خرجوا عن بكرة أبيهم يستقبلونه ، ويعظمونه ويصدقونه ، ويحبونه ، وهم لم يلتقوا بها من قبل ، فهل عرفتم ما السر ؟

السر أن هذا الصحابي الجليل الذي أرسله النبي إلى المدينة قبل أن يهاجر إليها جعل الله هداية كبار أصحابه من الأنصار على يديه .

منهم مثلًا سيدنا سعد بن عبادة ، سيدنا سعد بن معاذ ، كبار الصحابة أسلموا على يده ، قبل أن يأتي النبي . هذا الشيء نقلني إلى فكرة ، فأحيانًا ترى الجامع ملأنَ ، فهل تعرف الفضل لمن يعود ؟ لبعض الأخوة النشيطين الذين يندفعون لنشر الحق ، يُقنع جاره ويقنع أخاه ، يقنع ابنه ، يقنع أباه ، يقنع زميله في العمل ، يعني يدعوه إلى المسجد ، يدله على الله ، يسمعه بعض الأشرطة ، يناقشه ، يخدمه ، فغص الجامع وامتلأ ، هذا الجامع أساسه أخ نشيط بذل كل شيء ، حتى أقنع الناس بالحق ، وحتى أقنعهم بالهدى ، وحتى حملهم على التوبة .

المدينة عن بكرة أبيها تخرج لاستقبال النبي و لم يلتقوا به من قبل ، ولم يسمعوا كلامه ، من الذي جلس بينهم ، ودعاهم إلى الهدى ، وقرأ عليهم القرآن ، وحدثهم عن النبي عليه الصلاة والسلام ، بين لهم شمائله الشريف ، عرفهم بربهم ، بين كمال الله عز وجل ، بأسمائه الحسنى ،و صفاته الفضلى من هذا الذي كان يعمل ليلًا ونهارًا ، سيدنا مصعب ...

يعني ماذا أقول إن صح التعبير ، إن الأنصار كلهم في صحيفته . تضيق عليك دنياك ويقل دخلك ، لكن الله عز وجل يعطيك أضعاف مضاعفة عطاءً لا ينتهي بالموت ، يبدأ بعد الموت.

فالإنسان لا يقيس نفسه ويقيس الآخرين بالأمور المادية ، هذا قياس فاسد ، رب أشعث أغبر ذي طمرين ، مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره لا تقس نفسك بمساحة بيتك ، ولا بمستوى بيتك ، ولا بدخلك ، ولا بمركبتك ، قِس نفسك بطاعتك لله ، واجعل قوله تعالى نصبَ عينيك:

( سورة الحجرات: 12 ) .

صحيح أن هذا الصحابي ، فقد الثوب الجميل ، والرائحة العطرة لكنه صار من الخالدين في دنيا الناس وعند الله تعالى و الإنسان ما له حق في أن يفتخر بدنياه أيها الأخوة ، فإذا افتخر بدنياه أفسد حياة الناس وصرفهم عن الآخرة ، أما إذا حدثهم عن الله عز وجل ، فقد قربهم إلى الله وأصلح عليهم دنياهم لا أفسدها .

وعندنا قصة يبدو أن فيها حكمة فهذا الصحابي الجليل ، قال ذات يوم وهو يعظ الناس ، وقد فاجأه أسيد بن حضير ، سيد بني عبد الأشهل بالمدينة وكان يدرس وحوله هؤلاء الذين أحبوا الإسلام ، وانشرحت صدورهم له ، فاجأه أسيد بن حضير شاهرًا حربته يتوهج غضبًا على هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم ، وقال له ما جاء بكما إلى حينا ؟ هو وأسعد بن زرارة ،

وهما أخوان في الإسلام كريمان ، ما جاء بكما إلى حينا ؟ تسفهان ضعفاءنا اعتزلانا إذا كنتما لا تريدان الخروج من المدينة . و الإنسان ، إذا وقف الموقف اللين ، والموقف الحكيم ،فهو عاقل رشيد ، و هذا من نعمة الله عز وجل أن موقفًا لينًا فيه حكمة ، فقال له مصعب بلسان طيب ، أولا تجلس فتسمع فإن رضيت أمرنا قبلته ، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره اسمع أولًا . فهل سمعتم بإنسان جاءته رسالة ، مختومة لا يدري ما بها مزقها ، وسب مرسلها ؟ أقرأها أولًا ، لعل فيها حوالة ، لعل فيها دعوة ، قبل أن تمزقها وتسب مرسلها أقرأها ، هذا منطق سليم وصحيح .

قال: أولا تجلس فتستمع فإن رضيت أمرنا قبلته وإن كرهته كففنا عنك ما تكره ، فقال أسيد بن حضير وكان رجلًا عاقلًا ، والله أنصفت ، معقول ، ما أحسن هذا القول وأصدقه ، فجلس وكان مصعب يتلو عليهم القرآن فاستمع إلى القرآن ، ودخل إلى قلبه ، وشرح الله صدره ، فقال أسيد: ما أحسن هذا القول وأصدقه ، كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين ، ما العمل ؟ فأرشدوه إلى ذلك .

سيدنا عمير بن وهب مرة قال: والله لولا أولاد صغار أخاف عليهم العنت ، ولولا ديون ركبتني لذهبت وقتلت محمدًا وأرحتكم منه ، فرجل أسمه صفوان كان قاعدًا ، قال له ديونك علي بلغت ما بلغت ، وأولادك أولادي مهما امتد بهم العمر ، اذهب لما أردت .

فعمير من فوره سم سيفه وذهب ، ولما وصل للمدينة ، رآه سيدنا عمر فقال: هذا عدو الله ساقه إلى رسول الله ، القصة تعرفونها لكن المغزى ، هذا عمير بن وهب عدو لدود ، حاقد ، ابنه قتل في بدر ، قال له سيدنا النبي ما الذي جاء بك إلينا ؟ قال جئت أفك ابني ، قال له: وهذا السيف الذي على عاتقك ، قال له: قاتلها الله من سيوف ، فقال له النبي: ألم تقل لصفون كذا وكذا وكذا فوقف ، وقال أشهد أنك رسول الله ، لأن الذي قلته لصفوان لا يعلمه إلا الله ، وأنت رسوله ، فدخل عدوًا لدودًا ينوي القتل وخرج مسلمًا ، يعني الصلحة مع الله تتم بلمحة أحيانًا . فهذا أسلم وخرج لكي يطهر ثوبه وبدنه ، ويشهد أن لا إله إلا الله ، بعد قليل عاد وقد أغتسل ، وأعلن الشهادة وأسلم ، أسلم أسيد بن حضير ، أسلم سعد بن عبادة ، أسلم سعد بن معاذ ، فلما يسلم الكبار ، فالصغار يتبعونهم ، إذا وفقك الله أن تتحه لإنسان له مكانته له شأنه ، مثقف ثقافة عالية ، يحتل مركزًا مرموقًا وقنع بالإسلام ، فهذا له أتباع يحذون حذوه فهي نعمة من نعم الله .

فسيدنا مصعب وفقه الله في دعوته ، فلانت قلوب كبراء المدينة ، فلما لانت قلوبهم وأسلموا معه ، ودخلوا في هذا الدين العظيم ، كل أتباعهم تبعوهم ، كلكم يعلم أن هذا الصحابي الجليل خاض معركة أحد (( غزوة أحد ) )وحمل لواء من ألوية أجنحتها وكلكم يعلم أنه لما جال المسلمون واشتبكوا مع عدوهم ثبت مصعب فأقبل ابن قميئة وهو فارس فضربه على يده اليمنى فقطعها ، ومصعب يقول:

( سورة آل عمران: 144 ) .

وأخذ اللواء بيده اليسرى تم حمل حنا عليه ، عدو الله ثانيةٍ فضرب يده اليسرى فقطعها ، وحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره ، وهو يقول:

ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه واندق الرمح ووقع مصعب وسقط اللواء ، ووقع شهيدًا بل كان كوكبًا بين الشهداء . الشيء الذي يدمي القلب أن هذا الصحابي قال عنه بعض أصحاب رسول الله ، قالوا: هاجرنا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في سبيل الله نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله ، فمنا من مضى ولم يأكل من أجره في دنياه شيئًا .

والإنسان عندما يستقيم ويتعرف إلى الله ، ويكبر ، فالله عز وجل يكرمه ويتزوج يسكن بيتًا، ويكون له دخل جيد ، يترفه ويأكل ويسعد ويقوم بنزهات كثيرة ، يتمتع بالدنيا ، فيقول لك: الله أكرمني والحمد لله لقد استقمت على أمر الله والله أكرمني ، لكن هذه الدنيا ليست دار نعيم إذا الله أكرمك فالحمد لله ، هذه من نعم الله الكبرى ، لكن لو أن الله عز وجل ، تبعنَ إنسانًا بعد أن أسلم ، وأحب الله عز وجل واختاره إلى جواره فهل ضاع عليه شيء ؟ لا ، فهذه فكرة سخيفة جدًا ، إذا لم يخسر شيئًا ولا أضاع شيئًا:

( سورة آل عمران: 169 ) .

و الإنسان عندما يخلص لله عز وجل ، ويتوكل على الله عز وجل فقد ربح ورب الكعبة فهذا الصحابي الجليل حياته كلها دعوة إلى الله ، حياته كلها جهاد ، وما عليك إلا أن تتصور أن أهل المدينة الأنصار جميعًا في صحيفته ، ثم مات شهيدًا فقد فاز ورب البيت .

يقول عنه خباب بن الأرت: هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سيبل الله نبتغي وجه الله ، فوجب أجرنا على الله ، فمنا من مضى ولم يأكل من أجره في دنياه شيئًا .

سيدنا عمر مرة قدم له طعام طيب ، فبكى ، لماذا بكى ؟ تذكر أصحاب النبي الذين ماتوا قبل أن يفتح الله الدنيا على المسلمين ثم جاءتهم الدنيا بعد ذلك راغمة .

جاءوا بكنز كسرى ووضع الكنز على الأرض ، بحيث أن أحدًا لو أمسك برمحه ، وأمسك رجل آخر برمحه في الطرف الثاني فالأول لا يرى الثاني .

فتحت عليهم الدنيا ، لكن صحابة كرام ماتوا قبل أن تفتح عليهم الدنيا هؤلاء لهم عند الله أجر مضاعف . فالإنسان يستسلم لله عز وجل ، هو الرحمن الرحيم ، الآية التي تؤثر بالنفس:

( سورة آل عمران: 158 ) .

( سورة الزخرف: 32 ) .

والإنسان دائمًا يبحث عن رزقه ، ثم يبلغ درجة من الكفاية والحاجة ويبقى همه الجمع ، لكن الله تعالى يقول:

هذا سيدنا مصعب قتل يوم أحد ، ولم يجدوا له شيئًا ليكفن به إلا نمرة ، يعني رداء خشن ، فكنا إذا وضعناها على رأسه ، تعرّت رجلاه ، وإذا وضعناها على رجليه برزت رأسه ، فقال عليه الصلاة والسلام: اجعلوها مما يلي رأسه ، واجعلوا على رجليه من نبات الإذخر ضعوا قليلًا من حشيش على رجليه وارفعوا الثوب إلى رأسه .

هذا سيدنا مصعب بن عمير الذي كان من أرفه ، ومن أنعم ومن أكثر فتيان قريش أناقةً ، ونعومةً ، ورخاءً ، وغنىً ، باع دنياه في سبيل الله عز وجل .

وإذا اختار الإنسان عملًا نظيفًا ، عملًا شريفًا ، متعبًا و دخله قليل لكن شريف ، ما به شبهات،و ما به مداخلات ، وما به ما يثير القلق ، فإذا اختار عملًا شريفًا متعبًا دخله قليل ، وعاش حياة مع الله وادعة ، مطمئنة ، فهذا وسام شرف له ، افرح بالدخل الحلال ، إن كان كثيرا فالحمد لله ، هذا من نعم الله عز وجل لكن إن كان قليلًا ، وهو حلال ، فهذا أفضل من كثيرٍ لا

يرضي الله عز وجل ، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام ، قال مرة لثعلبة: يا ثعلبة قليل تؤدي شكره ، خير من كثير لا تؤدي شكره . وقف النبي عليه الصلاة والسلام عند مصعب بن عمير ، وعيناه تذرفان بالدموع ، وقال:

( سورة الأحزاب: 23 ) .

ومنذ مدة قرأت نعوة ضخمة مكتوب فيها:

فممكن لكل من أراد أن يضع في النعوة هذه الآية أن يفعل ، ولكن المهم العبرة ، وحسن الخاتمة .يمكنك أن تأخذ إشارة أرقى ماركة سيارة تضعها على طنبر ، لكن يبقى الطنبر طنبرًا والسيارة سيارة ، فهذه الآية تلاها النبي الكريم عندما وقف على جثمان مصعب:

ثم ألقى في أسى نظرة على بردته التي كفن بها وقال: يا مصعب لقد رأيتك بمكة ، وما بها أرق حلة ، ولا أحسن لمة منك ، ثم ها أنت شَعِث الرأس في بردة ، عندئذ قال عليه الصلاة والسلام: إن رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة . نعم ، أنا أشهد ، وهناك صحابي لما أسلم ثم خاض مع رسول الله معركة والله نجاه ، ووزعت الغنائم ، قال ما هذا ؟ قالوا هذه غنيمة لك قال والله ما على هذا أسلمت !! أنا أسلمت على الذبح ، أنا أسلمت على أساس أن أقدم حياتي في سبيل الله ، وفي المعركة الثانية ، وجد مقتولًا ، فالنبي الكريم قال: أهو ؟ هو ؟ هو ، قالوا هو ، هو ، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام وقال:

اللهم إني أشهد أن هذا قاتل في سبيلك .

أهذه شهادة قليلة ؟ قال: له إن رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة ، ما في الدنيا شيء يؤسف عليه ، فالدنيا تغر ، وتضر ، وتمر .

فإذا استقمنا ، وقرأنا القرآن ، وفهمنا القرآن ، وخدمنا من حولنا و كنا أبرارًا بوالدينا ، وأمهاتنا ، ونصحنا المسلمين في بيعنا وشرائنا ، وما كذبنا و ما غششنا ، وما اعتدينا ،وإن غضضنا أبصارنا عن محارم الله ، فالمطالبة قضية سهلة جدًا ، ما لك مطالب أن تخوض معركة ، مُطالب فقط أن تستقيم ، ُمطالب تتعلم ، ُمطالب أن تعلم تقرأ القرآن ، تفهم القرآن ، تُعلم القرآن ، تستقيم على أمر الله ، تعامل الناس بالإحسان تكون صادقًا ، تكون أمينًا ، إذا

فعلت هذا في عصر الفتن ، وعصر الضلالات ، وعصر الشبهات ، وفي عصرٍ فيه القابض على دينه كالقابض على جمر فلك أجر عظيم . النبي الكريم قال: اشتقت لأحبابي ، قالوا أو لسنا أحبابك قال لا: أنتم أصحابي ، أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان ، القابض منهم على دينه كالقابض على جمر ، أجره كأجر سبعين ، قالوا: منا أم منهم ، قال: بل منكم ، قالوا ولم ؟ قال: لأنكم تجدون على الخير معوانًا ولا يجدون . المسلم المؤمن غريب ، يعني أن أقرب الناس إليه يستنكر استقامته يُستنكر إذا أراد ألا يختلط مع الناس ، ترى إنسانًا أهله بالمظهر دينين وإسلام ومسلمين ، يوصفون بأنهم محافظون ، فهؤلاء الذين زعموا أنهم محافظون يريدون اختلاط للجنسين ويريدون أن يسفر وجه المرأة ، ويحتالون ليجدوا إلى التفلت من أمر الله عز وجل سبيلًا يسلكوه . على كلٍ فالشيء الذي يبرز في حياة هذا الصحابي الجليل ، أنه كان من أسرة غنية ، فلما أصر على إسلامه وإيمانه ، فقد كل ما يمكن أن يناله من والديه فعاش فقيرًا ، ونذر نفسه لهذا الدين العظيم فاختاره الله ليكون خليفة النبي في المدينة .

لذلك يمكن أن نذكر ثانية أن أكثر الأنصار كانوا في صحيفته ، هذا عمل عظيم والنبي الكريم كان إذا أراد أن يصلي أزاحت السيدة عائشة رجليها لأن غرفته لا تتسع لصلاته ونومها ، والآن اذهب إلى مقامه الشريف يطالعك أضخم مسجد في العالم .

ولقد حججت قبل ثلاثة أعوام فكان المقام الذي كان في العهد العثماني تقريبًا في عرض مسجدنا هذا ، وإلى نصفه ، هذا المسجد النبوي الذي وسعه العثمانيون ، يعني أضافوا إليه إضافة ثم وسعه السعوديون توسعة تعدل عشرة أمثال ما كان عليه تقريبًا ، يعني صار البناء على العرض نفسه ممتدًا إلى الشمال وفيه فسحتان سماويتان ، في العام الماضي حينما حججت أية مساحة هذه ؟! أكثر من عشرة أمثال المساحة السابقة فهو مدينة كاملة ،و الإنسان

أحب أن يطوف حوله فالمسافة تقريبًا خمسة كيلومترات ، يعني كان الحج بأيام حارة جدًا ، وسمعت أنه مكيفًا و يعد أعظم تكييف في العالم ، والأجهزة على بعد سبعة كيلومترات،ومساحتها مائتان وسبعون ألف متر مربع تكون درجة الحرارة خارج الحرم ستًا وخمسين درجة ، أو اثنين وخمسين ، كأنما تلفح وجوههم النار ، بينما هي بالحرم ثماني عشرة درجة أو نحوها .

النبي عاش حياة خشنة ، لكن عرف المسلمون قيمته وقدره ، كل هذا الاعتناء دليل مقامه العظيم عند الله عز وجل ، الدنيا تضر ، وتمر وتغر ، حاول أن تكون على أمر الله ، و أن تكون مستقيمًا و أن تكون ملتزمًا ، و أن تتعلم ، و أن تعلم ، فإذا كنت كذلك ، فهذا الصحابي الجليل قدوة لنا ، والله ولا يخفضك عند الله ! دخلك القليل ، لا والله ، لا يخفضك عند الله بيتك الصغير ، ولا يرفعك العكس ، لكن ترفعك طاعتك ، وتخفضك معصيتك .

لذلك مصعب هذا قدوة لكل شاب عاش بأسرة مرفهة ، ناعمة ، فلما أصر على إيمانه وإسلامه، والناس تخلوا عنه عاش حياة خشنه ، ومن كان كذلك فله بهذا الصحابي الجليل ، أسوة حسنة .

والحمد لله رب العالمين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت