الدرس 21/50: سيرة الصحابي: سراقة بن مالك ، لفضيلة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي .
التاريخ: 01/03/1993
تفريغ: م . م . حسان العودة .
التدقيق اللغوي: الأستاذ غازي القدسي .
التنقيح النهائي: المهندس غسان السراقبي .
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علمًا ، وأرنا الحق حقًا ، وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلًا ، وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة المؤمنون: مع الدرس الحادي والعشرين من دروس سيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورضوان الله عليهم أجمعين .
صحابي اليوم سيدنا سراقة بن مالك .
يمكن أن نستنبط من سيرته ، حقائق كثيرة ، تفيدنا في حياتنا المعاصرة ، فالذي ينبغي أن نعلمه من السيرة ، أن مواقف الصحابة مواقف مثالية ، فإذا عرفنا بواطن مواقفهم ، وأسرارها ، يمكن أن نكون قد تعلمنا تفاصيل كثيرة عن الدين من خلال سيرتهم ، قبل أن نبدأ الحديث عن هذا الصحابي الجليل ، يمكن أن نشبه الإسلام بهرم ، مقسم إلى أربعة أقسام ، القسم الأعلى هو القرآن الكريم ، كلام الله عز وجل ، القسم الثاني السيرة النبوية ، التي بيَّنت ، وفصلت القرآن الكريم .
( سورة النحل: 43 ـ 44 )
قد يسأل سائل ، ما تفسير كتاب الله تعالى ؟ الجواب: النبي عليه الصلاة والسلام فسره من خلال السنة النبوية ، فالسنة هي التفسير العملي للقرآن الكريم ، حتى إن الإمام الشافعي حينما قال في تفسير قوله تعالى:
( سورة الجمعة: 2 )
الحكمة هي السنة ، إذًا القرآن الكريم جاء موجزًا قال تعالى:
( سورة النساء 23 )
"وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف".
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا ، أَوْ خَالَتِهَا *
[ أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ]
للعلة نفسها ، فالقرآن الكريم أمر بدفع الزكاة ، لكن النبي فصل نصاب الأموال ، نصاب الأبقار، نصاب الأغنام ، فالسنة تبين ، وتفصل ، وتوضح ، وتقيد المطلق ، وتطلق المقيد ، وتعطي حالات خاصة ، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن قطع يد السارق بأثناء الحرب ، مع أنّ حكم قطع يد السارق ثابتٌ بالكتاب الكريم .
( سورة المائدة: 38 )
النبي نهى عن قطع يد السارق في ديار الحرب ، لماذا ؟ لأن هذا الإنسان إذا تلبس بجرم السرقة ، وعلم أن يده سوف تقطع ينتقل إلى العدو ، يعطيهم المعلومات ، وينجو من قطع اليد ، فحكم قطع يد السارق تعطل في أثناء الحرب .
النبي عليه الصلاة والسلام قال: ادرؤوا الحدود بالشبهات ، فلو أن إنسانًا اشتبه عليه أن له حقًا عند زيد أو عبيد وسرق منه يسجن ، ويعذر ، ويحاسب ، ويغرم ، لكن مادام هناك شبهة فلا تقطع يده ، السنة بينت ، فالقرآن الكريم ستمائة صفحة ، لكن النبي الكريم ترك أكثر من ستمائة ألف حديث ، كلها تبيِّن ، وتفصِّل ، وتوضِّح ، وتقنِّن .
الصلاة ، والوضوء ذُكِرا في القرآن بشكل موجز ، والنبي فصّل كيف تتوضأ ، فهناك خمس وسبعون سنة ، أو ست وثمانين سُنَّة للصيام واردة في كتب الفقه ، القرآن قال:
( سورة البقرة: 183 )
السنة بينت الواجبات والسنن والمستحبات والمكروهات والمندوبات .
الجزء الثاني من الهرم ؛ هو السنة القولية ، لكن أفعال النبي أوسع من أقواله ، فإذا درستَ السنة الفعلية التي فعلها النبي يمكن أن تكوِّن الجزءَ الثالث من الهرم ، قد لا نفهم السنة القولية ، إلا من خلال السنة الفعلية ، صلوا كما رأيتموني أصلي ، كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل كذا ، ولا يفعل كذا ، تبيِّن أحواله ، وحركاته ، وسكناته ، وسكوته ، وهناك سنة فعلية ، وإقرار.
إذًا المقطع الثالث من الهرم: هو سنة النبي الفعلية ، النبي عليه الصلاة والسلام شخصٌ واحد، لكن أصحابه كثر ، صحابيٌ غني جدًا ، صحابيٌ فقير جدًا ، صحابيٌ شاب صغير ، صحابيٌ شيخ فانٍ ، صحابيٌ حاد المزاج ، صحابيٌ هادئ الطباع ، فكأن أصحابه يمثلون نماذج بشرية ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَتَرَوْنَ مِنْ بَعْدِي اخْتِلافًا شَدِيدًا فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالأمُورَ الْمُحْدَثَاتِ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَة*"."
[ أخرجه ابن ماجه ] .
إذًا: القسم الرابع من الهرم: سيرة أصحابه ، لأنها تمثل نماذج متعددة .
يقع القرآن الكريم في قمة الهرم ، والحديث النبوي الشرف القولي يقع في القسم الثاني ، يبيِّن كتاب الله عز وجل ، وأفعال النبي عليه الصلاة والسلام تبيِّن حقائق أقواله ، وسيرة صحابة رسول الله رضوان الله عليهم تبين الفروع التي يمكن أن نحتاجها في دراستنا بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، ولا سيما إن كان أصحابه من الذين لازموه ، وعُرِفوا بشدة حبهم ، وإخلاصهم له .
فالإسلام إذًا يُفهَم من خلال القرآن ، والسنة القولية ، والسنة الفعلية ، وسير أصحاب رسول الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين .
والذي أراه أنَّ معرفة سيرة أصحاب النبي الذين رضي الله عنهم جزءٌ من الدين ، فماذا فعل هذا الصحابي الذي رضي الله عنه ، وأقرَّ النبيُّ فعلَه ؟ هذا فعله كامل ، يمكن أن أقتدي به ، فضلًا عن أن هناك آيات بيناتٍ يمكن أن تستنبط من أفعال رسول الله ، وهذا الصحابي الجليل سيدنا سراقة بن مالك ، يمكن أن نفهم من سيرته الشيء الكثير .
على كلٍ عودة إلى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم سرى نبأُ هجرته في مكة كان نبأ غريبًا ، أن محمدًا قد بارح مكة ، مستترًا بجنح الظلام ، فلم يصدِّق زعماء قريش النبأ ، واندفعوا يبحثون عن النبي في كل دارٍ من دور بني هاشم ، وينشدونه في كل بيت من بيوت أصحابه ، حتى أتوا منزل أبي بكر ، فخرجت إليهم ابنته أسماء ، قال لها أبو جهل أين أبوك يا بنت ؟ قالت لا أدري أين هو الآن ، فرفع يده ولطم خدها لطمة أهوت بقرطها على الأرض ، وصار يغلي غضبًا ، يعني كلهم يظنون أن محمدًا في قبضتهم ، وأنه بالتعبير الحديث الورقةُ الرابحة التي في أيديهم ، فجأةً غادر هذا النبي الكريم مكةَ المكرمة ، انطلق زعماء قريش في كل اتجاه ، يبحثون عن محمد صلى الله عليه وسلم ، بعد أن أيقنوا أنه غادر مكة ، وكان عند العرب قفاةٌ للآثار ، خبراء ، فتتبَّع قُفاةُ الآثارِ آثارَ النبي فوصلوا من خلال آثاره إلى غار ثور ، مكان اختباء النبي وصاحبه الصدِّيق ، قال خبراء الآثار حينما وصلوا غار ثور: والله ما جاوز صاحبكم هذا الغار ، ولم يكن هؤلاء مخطئين فيما قالوه لقريش ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه داخل الغار ، وكانت قريش تقف فوق رأسيهما .
ونحن هنا أمام مجموعة استدلالات دقيقة جدًا ، ونحن كمسلمين في أشد الحاجة إليها ، والنبي الكريم حينما هاجر من مكة إلى المدينة ، أخذ بكل الأسباب ، فسار مساحلًا ؛ عكس الطريق المألوف إلى المدينة ، خرج في جنح الظلام ، عيَّن رجلًا يمحو الآثار ، رجلًا يتتبع الأخبار ، وشخصًا يأتيه بالزاد ، فما من ثغرةٍ إلاَّ وسدَّها ، وما من احتياط إلا وغطاه ، ما من خطة إلا وأحكمها ، ومع ذلك وصل كفار قريش إلى الغار .
وماذا يعني أن يصل كفار قريش إلى الغار ؟ السؤال موجَّهٌ إليكم ، وأعِينكم على الإجابة بسؤال فرعي ، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام أخذ بهذه الأسباب واعتمد عليها ، وفوجئ أن كفار قريش كانوا على باب الغار ، فماذا يمكن أن يحصل ؟ ينبغي أن ينهار النبي ، لأنه أخذ بالأسباب واعتمد عليها لكن النبي أخذ بالأسباب واعتمد على الله .
أقول لكم دائمًا أيها الإخوة: ولو أعدتها كثيرًا ، هذه حقائق أساسية ، ينبغي أن ترسخ عندكم ، القرآن الكريم أعاد بعض القصص سبع عشرة مرة ، إن أخذت بالأسباب واعتمدت عليها فقد أشركت ، وإن لم تأخذ بها فقد عصيت ، وخيطٌ دقيق يبعدك عن الشرك ، وعن المعصية ، أن تأخذ بالأسباب ، وأن تعتمد على الله ، وهكذا فعل النبي ، أخذ بكل الأسباب ، واعتمد على الله تعالى .
الحقيقة الأولى: التي يمكن أن تستنبط من فعل النبي أنه إن لم تكفِ الأسباب التي أخذتها لنجاتك ، فعندئذٍ يتولى الله رعايتك بطرق خاصة ، بخرق العادات ، و إن لم يكف أخذُ الأسباب لبلوغ هدفك ، فأنت أخذت بالأسباب تأدبًا مع الله عز وجل ، وطاعةً له ، لكن هذا الأخذ بالأسباب إن لم يكفِ تولّى اللهُ عز وجل خرقَ العادات من أجلك ، لأنك أخذت بالأسباب ، وهذه مشكلة المسلمين اليوم ، يا أخي هناك فرق تكنولوجي ، وفرق حضاري ، وفرق بالأسلحة كبير جدًا بين المسلمين وبين أعدائهم ، ما الحل إذًا ؟ أنت خذ بالأسباب ، وتوكل على الله ، واللهُ يكمل ، قال تعالى:
(سورة آل عمران)
وصل كفار قريش إلى غار ثور ، وبقي النبي رابطَ الجأش ، واثقًا من نصر الله عز وجل له ، لم تلِن له قناة ، وما خارت قواه ، فأنت افعل ما تؤمر ، وعليك أن تأخذ بالأسباب ، فإن لم تكفِ الأسباب خَرَقَ اللهُ لك العادات .
بالمناسبة لن يكون خرق العادات إلا بعد الأخذ بالأسباب ، فأي إنسان قال أنا مؤمن والحمد لله وهؤلاء كفار ، الله لا يحبهم ، إنه يحبني وحدي ، هو سينصرني عليهم من دون أن أفعل شيئًا ، هذا هو الغباء بعينه ، وهذه هي المعصية بعينها ، وهذا هو الجهل بعينه ، إن أخذت بالأسباب ولم تكفِ الأسباب خَرَق الله لك العادات ، فإن لم تأخذ بها دفعتَ الثمن باهظًا .
لذلك كنت أقول دائمًا هذه العبارة وأنا أتأثر بها ، إن بعض المصائب التي تصيب المسلمين ، بعضها يسمى جزاء التقصير ، وبعضها يسمى قضاءً وقدرًا ، فإن أخذت بكل الأسباب ، وانتهت مهمتك وجاء شيءٌ فوق إرادتك ، وفوق قدرتك فهذا هو القضاء والقدر ، أما إن لم تأخذ بها ، وجاء مكروه فإياك أن تسمِّيه قضاءً وقدرًا ، هو قضاء وقدر ، ولكن سمِّهِ جزاء التقصير ، وأهو كبر مرض يعاني منه المسلمون اليوم ، ما أسعفوا المريض يقولون لك: جاء أجله ، هكذا كتب الله له ، هذا الذي قصّر في إسعافه ينبغي أن يحاسَب كقاتل ، فلا تُدخِل القضاء والقدر في تقصير المسلمين ، أهملنا العلاج فتفاقم المرض ، أمّا كلام العوام ، وكلام الجهلاء ، وكلام السخفاء فمردود ، إن جاءك مكروه ، وقد قصرت قبله فهذا اسمه جزاء التقصير ، أما إن جاءك أمرٌ مكروه ، وقد أخذت بكل الأسباب ، فهذا هو القضاء والقدر ، وعندئذٍ نستسلم .
سيدنا الصديق لما رأى أقدام القوم تتحرك فوق الغار دمعت عيناه ، وفي روايات تفصيلية أن قطرةً من دمع الصديق وقعت على يد النبي ، فانتبه النبي وقال: أتبكي يا أبا بكر ؟ قال: واللهِ ما على نفسي أبكي ، وهو صادق ، ولكن مخافة أن أرى فيك مكروهًا يا رسول الله ، أنا واحد ، لكنْ أنت أمة .
مرة سيدنا أبو حنيفة رأى طفلًا على مقربةٍ من حفرة ، فقال: (( يا غلام إياك أن تسقط ، كان هذا الطفل ذكيًا ونبيهًا ، فقال: أنت يا إمام إياك أن تسقط ، أنا إن سقطتُ سقطتُ وحدي ، وأنت إن سقطت سقط معك العالَم ) ).
ما من مصيبة في الدنيا أكبر من أن تهتز عندك القدوة ، من أن يهتز المثل ، مِن أن يخيب ظنك بمن ظننته مثلًا أعلى ، لذلك فسقوط الإنسان من السماء إلى الأرض أهون من أن يسقط من عينه مَثلُه الأعلى ، قد يبني حياته على أن فلانًا كاملًا قال له: يا إمام أنت إن سقطت سقط معك العالم ، أنا إن سقطت سقطت وحدي .
هكذا قال الصديق للنبيِّ: واللهِ ما على نفسي أبكي ، ولكن مخافة أن أرى فيك مكروهًا يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة والسلام مطمئنًا: لا تحزن يا أبا بكر فإن الله معنا ، والله هذه الكلمة (إن الله معنا) ، كبيرة عظيمة ؟ فإذا كان اللهُ معك فمَن عليك ؟ لو أن الدنيا كلها اجتمعت عليك لم تستطِع أن تغبِّر عليك ، وإذا كان الله عليك فمَن معك ؟ واللهِ الذي لا إله إلا هو ، هناك أبناء يضربون آباءهم ، وهناك زوجات يكِدْنَ لأزواجهن ، وهناك حوادث يندى لها الجبين ، أقرب الناس إليك يكيد لك أحب الناس إليك يتخلى عنك ، أكثر الناس مودةً لك يقلب لك ظهر المجن إذا كان الله عليك فمَن معك ؟.
قال له يا أبا بكر: لا تحزن إن الله معنا ، وقد أثبت القرآن هذه الرواية ، فقال عزوجل:
( سورة التوبة: 40 )
فأنت كل بطولتك أن يكون الله معك ، كن مع الحق وانتهى كل شيء ، إذا كنت بطلًا كن مع الحق ، ولا تخشَ في الله لومة لائم .
فأنزل الله السكينة على قلب الصديق ، وفي الآية ملاحظة لطيفة"فأنزل الله سكينته عليه"، بالضمير المفرد ، لأن النبي ساكن بالأصل ، والنبي مرتاح ، السكينة احتاجها الصديق فقط ،"فأنزل الله سكينته عليه"، يعني على الصديق وحده ، لأن النبي من الثقة بالله عز وجل حيث لم يهتز ، فقال الصديق: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدميه لرآنا ، فقال يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ، بل هناك في رواية ثابتة لم ترد هنا ، يبدو أن عين أحد كفار قريش وقعت على عين الصديق ، عين على عين ، فقال لقد رأونا ، فقال عليه الصلاة والسلام يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:
( سورة الأعراف: 198 )
فإذا حفِظَ اللهُ إنسانًا فليس عليه بأس ، وإذا أَحَبَّ اللهُ أنْ ييسِّر لك أمرًا ، تجده قد تمَّ لك كلمح البصر بتيسير الله عزوجل ، فإذا كان الله عليك فمَن معك ؟ وإذا كان معك ألفَيْتَ الأمور كلها سالكة ، لذلك مِنَ الدعاء النبوي:"اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلًا".
القانون:
( سورة الليل: 5 ، 6 )
قيل لأمية بن خلف: كان في الغار ، فقال أمية بن الخلف ساخرًا: ألم ترَ إلى هذا العنكبوت قد عشَّش على بابه قبل ميلاد محمد .
ولْنسْأَلْ هذا السؤال: لماذا ينصر الله عز وجل نبيًا ، كريمًا ، عظيمًا ، وينصر دينه بخيوط عنكبوت ؟! بشيء لا يذكر ؟! هذه هي العظمة ، لأن الله عز وجل جعل الدين هو رسول الله ، فإن قتل انتهى الدين ، إله عظيم ، بيده أن يزلزل من تحتهم الأرض ، بيده أن ينسف الجبال نسفًا، بيده أن يجعل البحر طريقًا ، بيده أن يجعل هؤلاء الكفار أصنامًا فجأةً ، نصر دينه عن طريق العنكبوت ، وعن طريق حمامةٍ ، هذه عظمة الله عز وجل .
فرعون رأى في المنام أن طفلًا من بني إسرائيل سوف يقضي على ملكه ، فالتدابير عنده سهلة جدًا ، إذًا سنذبح كل أطفال بني إسرائيل ، جاء بالمولّدات ، فأيّة ولادة أخبرْنَ عنها ، وإلا تموتي أنتِ محل الطفل ، فلا تقدر إلاّ أنْ تبلغ ، أما هذا الطفل الذي سوف يقضي على ملكه فيجب أن يتربى في القصر عنده .
( سورة القصص: 8 )
هذه آيات الله عز وجل ، هذا الذي سيقضي على ملكه سوف يربى في قصره .
( سورة طه: 36 ـ 39 )
ِفعْلُ الله عجيب ، كن مع الله فقط ، قال أمية بن خلف: ألم ترَ إلى هذا العنكبوت الذي عشش على بابه ، واللهِ إنه أقْدمُ من ميلاد محمد ، لكنّ أبا جهل وكأنّ عنده حاسة سادسة غريبة ، قال: واللات والعزى إني لأحسبه قريبًا منا ، يسمع ما نقول ، ويرى ما نصنع ، ولكن سحره ران على أبصارنا ،والموقف محيِّرٌ ، أنا أشعر أن محمدًا في الغار .
على كلٍ حينما يئست قريش أن تقبض على النبي وضعت جائزة مائة رأس من الإبل ، أقدِّر أن ثمنها الآن مائة وخمسون ألف الناقة ، مائة وخمسون ألف ضرب مائة ، يعني خمسة عشر مليون ليرة لمن يأتي به حيًا أو ميتًا ، وسراقة صحابي هذا الدرس ، سراقة بن مالك كان في بعض أندية قومه قريبًا من مكة ، فإذا برجل يدخل عليهم ، ويذيع فيهم نبأ الجائزة التي بذلتها قريش لمن يأتيها بمحمدٍ حيًا أو ميتًا ، رقم يغري ! ثروة طائلة ! من أجل قتل محمد قضية سهلة، قال فما كاد سراقة يسمع بالنوق المائة حتى سال لعابه ، واشتد عليها حرصه ، ولكنه كان ذكيًّا جدًا ، فضبط نفسه ، ولم يَفُهْ بكلمة واحدة حتى لا يلفت نظر الآخرين ، وقبل أن ينهض سراقة من مجلسه ، دخل على مكان وجوده رجلٌ يقول: واللهِ لقد مرّ بي الآن ثلاثة رجال ، وإني لأظنهم محمدًا وأبا بكرٍ ودليلهما ، فقال سراقة: إنهم بنو فلان مضوا يبحثون عن ناقة لهم أضلّوها ، يريد أن يصرف الناس عن هذه الجائزة ، فقال الرجل: لعلهم كذلك ، وسكت ، مكث سراقة قليلًا حتى لا يثير اهتمام أحدٍ ، فلما دخل القوم في حديثٍ آخر انسل من بينهم ، ومضى خفيفًا مسرعًا إلى بيته ، وأَسَرَّ لجاريته بأن تخرج له فرسه في غفلة من أعين الناس ، وأن تربطه له في بطن الوادي ، وأمر غلامه بأن يعد له سلاحه ، وأن يخرج به خلف البيوت حتى لا يراه أحد ، وأن يجعل السلاح في مكانٍ قريبٍ من الفرس ، ولبس سراقة درعه ، وتقلد سلاحه، وركب صهوة فرسه ، وطفق يغذُّ السير ليدرك محمدًا قبل أن يدركه أحدٌ سواه ، ويظفر بجائزة قريش .
من السذاجة أن تظن أن الله يسلِّم أولياءه إلى أعدائه ، فهذا من السذاجة ، ومن الحمق ، ومن الغباء ، وكان سراقة بن مالك فارسًا من فرسان قومه ، طويل القامة ، عظيم الهامة ، بصيرًا باقتفاء الأثر ، من خبراء الآثار ، صبورًا على أهوال الطرق ، وكان إلى ذلك أريبًا ، لبيبًا ، شاعرًا ، وكانت فرسه من عتاق الخيل ، بالتعبير الحديث (600 $) ، مضى سراقة يطوي الأرض طيًا ، لكنه ما لبث أن عثرت به فرسه وسقط عن صهوتها ، فتشاءم ، وقال: ما هذا ؟ تبًا لكِ من فرس ، وعلا ظهرَها ، غير أنه لم يمضِ بعيدًا حتى عثرت به مرةً أخرى ، فازداد تشاؤمًا ، وهمَّ بالرجوع ، فما ردّه عن همّه إلا طمعه بالنوق المائة ، فلم يبتعد سراقة كثيرًا عن مكان عثور فرسه حتى أبصر محمدًا وصاحبه ، فمدَّ يده إلى قوسه ، ولكن يده جمدت في مكانها ، اليد بيد مَن ؟ بيد الله .
يقول لك الطبيبُ مرة: خثره ، فأصيبت اليد بالشلل ، وحينًا آخر مرض الهستريا ، وهذا مرض نفسي ، وشلل عضوي بأسباب غير عضوية ، آلاف الأسباب بيد الله عز وجل ، ومن قدرته أن يجعل هذا الإنسان جثة في ثانية ، إن الله على كل شيء قدير.
ذلك بأنه رأى قوائم فرسه تسيخ في الأرض ، غريبة ! قوائم الفرس تسيخ في الأرض ، فدفع الفرس فإذا هي قد ساختْ ثانيةً في الأرض ، كأنما سمرت بمسامير من حديد ، فالتفت إلى النبي وصاحبه وقال بصوت ضارع ، وقد أدْرَك هذا الإنسان لا بعقله ، ولكن بفطرته أن خالق الكون مع محمد صلى الله عليه وسلم ، هذه الفطرة ، فالتفت إلى النبي وصاحبه وقال بصوت ضارع: يا هذان ادعوا لي ربكما أن يطلق قوائم فرسي .
وهذا يذكِّرنا بفرعون ، ماذا ادّعى ؟ ادّعى بأنه إله .
( سورة النازعات: 24 )
ولما أصيب قوم فرعون بمصائب عديدة ما كان موقف فرعون من موسى:
( سورة الأعراف: 134 )
يعني أنّ ادعاءه سخافة ، ودجل ، أدرك سراقةُ بفطرته أن هذا رسول ، وتيقن أن خالق الكون مع هذا الإنسان ، فقال: يا هذان ادعوَا لي ربكما أن يطلق قوائم فرسي ، ولكما عليّ أن أكفّ عنكما ، فدعا له النبي فأطلق الله له قوائم فرسه فأُطلِقتْ ، لكنه تذكّر مائة ناقة ، فما لبثت أطماعُه أن تحركت من جديد ، فدفع فرسه نحوهما فساخت قوائمها هذه المرة أكثر من ذي قبل ، وسعي النبي لا يكفي لنجاته من سراقة رغم توكُّله ، فماذا فعل الله عز وجل ؟ خرق العادات ، ونصر نبيه ، وهذا هو محور الدرس ، فأنت عليك أن تأخذ بالأسباب ، فإنْ لم تكفِ خرق الله لك العادات ، أما إن لم تأخذ بالأسباب لم يخرق الله لك العادات ، وهذه للنبي معجزة ، ولغيره من المؤمنين كرامة .
وفي روايات كثيرة أن سيدنا الصديق كان يمشي مرةً عن يمينه ، ومرةً عن شماله ، ومرةً أمامه ، ومرةً وراءه ، فالنبي الكريم تحيَّر ، قال: ما هذا يا أبا بكر ؟ قال: والله يا رسول الله أخاف أن تُطلَب من خلفك فأمشي من ورائك ، وأخاف أن يأتي الطلب من أمامك فأمشي أمامك ، وعن يمينك أكون عن يمينك ، وأنا لا أعتقد أنّ إنسانًا على وجه الأرض يحب إنسانًا كحبِّ الصديق لرسول الله ، ومع ذلك حينما مات عليه الصلاة والسلام قال: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ، ما هذا التوحيد ؟ أقرب إنسان ، أشد الناس حبًا للنبي ، أشدهم إخلاصًا له ، أشدهم تضحيةً من أجله ، حينما مات قال: من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت .
وكان سيدنا الصديق حريصًا على ألاّ يُصاب الرسول عليه الصلاة والسلام بأدنى أذى ، وقال له مرة ثانية والله ما على نفسي أخاف ولكن أخاف عليك ، إن أهلك أهلك وحدي ، وإن تهلك تهلك أمة ، هذا كلام سيدنا الصديق ، يروى أيضًا أن النبي الكريم لما رأى سراقة قال اللهم اكفناه بما شئت ، وكيف شئت ، فدعاؤه مستجاب عليه الصلاة والسلام .
وأنت أيضًا كن مع الله طائعًا لكي يكون دعاؤك مستجابًا .
للمرة الثانية: فاستغاث بهما ، وقال: إليكما زادي ، الآن يريد يريد أنْ يقدِّم دليلًا آخر ، إليكما زادي ، ومتاعي ، وسلاحي ، ولكما عليّ عهد الله أن أردَّ عنكما مَن ورائي من الناس ، لأنه أول مرة كذب ، وخان العهد ، حتى يؤكد عهده الجديد قال خذوا مالي ، زادي ، ومتاعي ، وسلاحي ، ولكما عليّ عهد الله عز وجل أن أرد عنكما من ورائي من الناس ، فقالا له لا حاجة لنا بزادك ، ومتاعك ، ولكن رد عنا الناس ، ثم دعا له النبي صلى الله عليه وسلم فانطلقت فرسه ، فلما همَّ بالعودة ناداهم قائلًا: تريثوا أكلمكم ، فوالله لا يأتيكم مني شيء تكرهونه ، فقال له النبيُّ: ما تبتغي منا ؟ فقال: والله يا محمد إني لأعلم أنه سيظهر دينك ، ويعلو أمرك فعاهدني إذا أتيتك في ملكك أن تكرمني ، واكتب لي بذلك ، أريد وثيقة ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصديق فكتب له على لوح عظمٍ ، ودفعه إليه ، ولما همَّ بالانصراف قال له النبي عليه الصلاة والسلام ، ويبدو أن هذا وحي من الله ، قال له: كيف بك يا سراقة لو لبستَ سواري كسرى ، يعني الآن بلا تشبيه ، إذا قلنا لأعرابيٍّ في اليمن ، أو في الصومال: ما رأيُك أن تسكن في البيت الأبيض الأمريكي مثلًا ؟ لقال: هذه ليستْ معقولة ، وهذا إنسان من أطراف الدنيا ، من البدو الرحل ، يلبس تاج وسواريْ كسرى !!.
قال له: كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى ؟ فقال سراقة في دهشة: كسرى ابن هرمز ؟ معنى ذلك أن لكسرى شأنًا كبيرًا ، كانت دولة الفُرسِ من العظمة ما لا يُتصوَّر ، والعرب كانوا ضعافًا ، وهم قبائل متناحرة ، متباغضة جياع ، عراة ، ما الذي أعزهم ؟ الإسلام، أعزهم الله بالإسلام ، ومهما نبتغي العزة بغيره أذلنا الله ، قال رسول الله نعم كسرى بن هرمز ، وهذا من إعلام الله له ، وليست مِن عنده .
( سورة الجن: 26 ـ 27 )
ما كان للنبي عليه الصلاة والسلام أن يَعلَمَ بنفسه أنّ هذا الإنسان الذي جاء يلاحقهما سوف يلبس سِوارَيْ كسرى وتاجه ، هذه المرة أصبح سراقةُ وفيًّا ، وعاد أدراجه ، فوجد الناس قد أقبلوا ينشدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم ارجعوا فقد نفضتُ الأرضَ نفضًا بحثًا عنهم ، فلا تغلبوا نفسكم ، لم أعثُر على أحدٍ ، وأنتم لا تجهلون مبلغ بصري بالأثر ، فرجعوا ، ثم كتم خبره مع محمد وصاحبه حتى أيقن أنهما بلغا المدينة ، وأصبحا في مأمنٍ من عدوان قريش ، عند ذلك أذاع الخبر ، فلما سمع أبو جهلٍ بخبر سراقة مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وموقفه منه لامه على تخاذله ، وعنفه ، وعنف جبنه ، وتفويته الفرصة ، فقال يجيبه على ملامته أبا حكمٍ والله لو كنت شاهدًا ، قال له: أبا حكمٍ ، والله لو كنت شاهدًا لأَمرِ جوادي إذ تسيخ قوائمه لعلمتَ ، ولم تشكك بأن محمدًا رسول ببرهانٍ ، فمَن ذا الذي يقاومه ، ثم إنّ الأيامَ دارت ، والنبي عليه الصلاة والسلام الذي خرج من مكة طريدًا ، شريدًا ، مستترًا بجنح الظلام ، يعود إليها سيدًا ، فاتحًا ، تحفُّ به الألوف المؤلفة من بيض السيوف ، وإذا بزعماء قريش الذين ملؤوا الأرض عنجهيةً ، وغطرسةً ، وكبرًا ، واستعلاء ، يقبلون على النبي خائفين واجفين ، يسألونه الرأفة ويقولون ماذا عساك أنْ تصنع بنا يا محمد ؟ فيقول عليه الصلاة والسلام في سماحة الأنبياء: اذهبوا فأنتم الطلقاء ، عند ذلك أعدّ سراقة بن مالك راحلته ، ومضى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليعلن إسلامه بين يديه ، ومعه العهد الذي كتبه له قبل عشر سنوات ، قال سراقة: لقد أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ، فدخلتُ في كتيبة الأنصار ، فجعلوا يقرعونني بكعوب الرماح ويقولون: إليك إليك ، ماذا تريد ؟ فما زلتُ أشقُّ صفوفهم حتى غدوتُ قريبًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو على ناقته فرفعت يدي بالكتاب ، وقلت: يا رسول الله أنا سراقة بن مالك ، وهذا كتابك لي ، فقال عليه الصلاة والسلام: يوم وفاء وبر، ادنُ ، ماله"ألا لا إيمان لمن لا أمانة له ، ولا دين لمن لا عهد له"، فأقبلت عليه ، وأعلنتُ إسلامي بين يديه ، ونلتُ من خيره ، وبره ، ولم يمضِ على لقاء سراقة بن مالك برسول الله غير زمن يسير حتى اختار الله نبيه إلى جواره ، فحزن سراقة أشد الحزن ، وجعل يتراءى له ذلك اليوم الذي همَّ بقتله ، من أجل مائة ناقة ، وكيف أن نوق الدنيا كلها قد أصبحت اليوم لا تساوي عنده قلامة من ظفر النبي ، لو جمعت نوق الدنيا عند سراقة الآن لا تساوي قلامة ظفر النبي ، وقد همّ بقتله من أجل مائة ناقة ، هذا الإيمان ، قال أبو سفيان لخبيب بن عدي: أتحبُّ أن تكون مع أهلك ومحمد مكانك يُصلَب ؟ قال له: واللهِ ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة .
الإسلام كله حب أيها الإخوة ، حب ، وإيثار ، وإخلاص ، ووفاء ، وحينما لم يبق من الإسلام إلا اسمه ، ولم يبق من القرآن إلا رسمه ، وحينما يفرغ الدين من قيمه ، ويصبح طقوسًا ، وعباداتٍ جوفاء ، فاقرأْ على المسلمين السلام .
وجعل يردد قولته له: كيف بك يا سراقة إذا لبستَ سواريْ كسرى ، دون أن يخامره شك في أنه سيلبسهما ، ثم دارت الأيام دورتها كرةً أخرى ، وآل أمر المسلمين إلى الفاروق رضوان الله عليه ، وهبت جيوش المسلمين في عهده المبارك على مملكة فارس ، فطفقت تدكُّ الحصون ، وتهدم الجيوش ، وتهز العروش ، وتحرز الغنائم ، وفي ذات يوم من أواخر أيام خلافة عمر قدم على المدينة رسل سعد بن أبي وقاص يبشرون خليفة المسلمين بالفتح ، ويحملون إلى بيت مال المسلمين خمس الفيء الذي غنمه الفاتحون ، فلما وضعت الغنائم بين يدي عمر نظر إليها في دهشة ، فقد كان فيها تاج كسرى المرصع بالدر ، وثيابه المنسوجة بخيوط الذهب ، ووشاحه المنظوم بالجوهر ، وسواراه اللذان لم تر العين مثلهما قط ، ومالا حصر له من النفائس الأخرى ، فجاء عمر يقلب هذا الكنز الثمين بقضيبٍ كان بيده ، ثم التفت إلى من كان حوله ، وقد اغرورقت عيناه بالدموع ، لماذا ؟ وإلى جانبه سيدنا علي فقال له: ما الذي يبكيك ؟ أعجبت من أمانة هؤلاء ؟ فقال له الفاروق: إنّ قومًا أدُّوا هذا لأُمناء حقًّا ، تاج كسرى ثمنه مئات الملايين ، لو أن هذا الذي أخذه ذهب به إلى أنطاكية لعاش أغنى الأغنياء ، فأجابه بكلمة ، والله لا أنساها مدى الحياة ، قال له: يا يا أمير المؤمنين ، لقد عففتَ فعفُّوا ، ولو وقعتَ لوقعوا ، وهنا دعا الفاروق رضوان الله عليه سراقة بن مالك فألبسه قميص كسرى ، وسراويله ، وقباءه ، وخفيه ، وقلده سيفه ، ومنطقته ، ووضع على رأسه تاجه ، وألبسه سواريه ، عند ذلك هتف المسلمون الله أكبر الله أكبر ، لقد تحققت نبوءة النبي عليه الصلاة والسلام ، لكن هذه النبوءة ليست من عند النبي ، إنما هي وحي أوحي إليه ، ثم التفت عمر إلى سراقة وقال بخٍ بخٍ يا سراقة أعرابيٌ من مدلج على رأسه تاج كسرى ، وفي يديه سواراه ، قال له: أعرابيٌ من بني مدلج على رأسه تاج كسرى ، وفي يديه سواراه ، ثم رفع عمرُ رأسه إلى السماء ، وقال: اللهم إنك منعتَ هذا المال لرسولك ، وانظروا إلى سراقة الآن ، اللهم إنك منعت هذا المال لرسولك، وكان أحبَّ إليك مني ، وأكرمَ عليك ، ومنعته أبا بكرٍ ، وكان أحبَّ إليك مني وأكرمَ عليك ، وأعطيتنيه ، وأعوذ بك أن تكون قد أعطيتنيه لتمكر بي ، ثم لم يقم من مجلسه حتى قسمه بين فقراء المسلمين وانتهى الأمر .
هكذا كان أصحاب النبي ، وهكذا كان عطاؤهم ، وورعهم ، وتواضعهم ، وهذه بعض الحقائق التي يمكن أن نستنبطها من قصة هذا الصحابي الجليل سراقة ابن مالك .
والحمد لله رب العالمين