أيها الإخوة ؛ قبل أن أنطلق في الحديث عن حياته ومواقفه وعن بطولاته ومكانته الرفيعة التي أكرمه الله بها ، أريد أنْ أنقل إليكم شُعورًا انْتابني وأنا أُطالعُ سيرة هذا الصحابيِّ الجليل قبل قُدومي إليكم ؛ لَفَتَ نظري أنَّ هؤلاء الصحابة قاسَوا شدائد الحياة ؛ فطعامُهُم ولِباسُهم خَشِنٌ ، حياتهم كلُّها متاعب وغزوات وقِتال ودِفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وفي تَصَوُّري وأنا موقِنٌ بِهذا التصَوُّر أنهم كانوا أسعد الناس ، تشعر أنّ أحدهم يكادُ يمْتلئُ سعادةً وشُعورًا بأنه إنْسانٌ كريمٌ على الله ، وفجأةً قفَزَتْ إلى نفْسي صُورة إنسانٍ مُعاصِر عاش حياة الدَّعة والرخاء ، ويأكل أفضل الطعام ، ويسكُنُ في أفْخَرِ منزل ؛ تَكْييف وتدفئة مركزيَّة ، الغُرَفُ الواسِعة والتزْيينات ، كُلُّ شيءٍ جميل حوله ، وشَعَرت أنَّ مثل حياة الإنسان المُعاصِر الذي خلَتْ حياتُه من البُطولة ، ومن أيِّ تضْحِيَة ، ومن أيِّ إيثارٍ ، ومن حُبٍّ لله ورسوله ، ومن رِسالةٍ يحْمِلُها ، ودَعْوةٍ يدْعو إليها ، ومن عملٍ صالحٍ يُقَدِّمُه ، ومن قلْبٍ ينْبِضُ بِالرحمة ، إنْسانٌ خَلَتْ حياته من هذه المشاعر ، وتِلك المُهِمات المُقدَّسة ، وهذه الأهداف السامِيَّة ، مثل هذا الإنسان يشْعر بِتَفاهَتِهِ وهوانِهِ على الناس ، ولو عاش في أعلى درجات النعيم ، صحابِيٌّ جليل حياته كلُّها متاعب يقود جُيوشًا قِيادةً لا أرْوَع ولا أعظم منها ، يدْخُلُ عليه الخليفة عمر بن الخطاب فإذا غُرْفَتُه فيها قِدْر ماء ، وجِلْدٌ قد ذهب ريشُهُ ، ورَغيفُ خُبْزٍ قد غطى به قِدْر الماء ، وسَيْفٌ مُعَلَّقٌ على الحائِط ، سيِّدُنا عمر الزاهد المُتَقَشِّف فوجئ ؛ أهذه غُرْفَة أمين الأُمّة وقائد الجيش ؟! قال له: ما هذا يا أبا عُبيدة ؟! قال: هو للدنيا ، وهو على الدنيا كثير ، ألا يُبَلِّغُنا المقيل ، شَعَرْتُ بِأحاسيس أردْتُ أنْ أُعَبِّرَها لكم ، كلُّ الدنيا لو