الصفحة 1014 من 3036

ولتوضيح هذا الأمر يقدم أفلاطون تشبيهه المعروف الذي يجعل الشعر مرآة عاكسة للواقع، وقد بقيت كثير من المذاهب الأدبية عالة على هذا التشبيه، وليست نظرية الانعكاس غير"انعكاس"لنظرية أفلاطون بشكل ما بالرغم من منطلقاتها المادية التي تتعارض تماما مع نظرية المثل الأفلاطونية. وكما أن لك"أن تأخذ مرآة وتديرها إلى كل الجهات فإنك في الحال تصنع الشمس وكل ما في السموات والكواكب والأرض وتصنع نفسك وغيرك من الناس والحيوانات والنباتات، والأواني"29

فكذلك لا يفعل الفنان أكثر من أنه يعكس في مرآته الأشياء، ويقدم لنا صورها لا حقيقتها.

أما النورسي فإنه يحتفظ بظاهر التشبيه، ولكنه يذهب به مذهبًا بعيدًا، فلا يكون الشعر آنذاك مجرد محاكاة مشوهة للواقع، ونقل قاصر لظواهر الأمور دون بواطنها، بل يتحول الشعر الحق سبيلا من سبل إدراك الحقيقة العليا. ذلك بأن الشعر إن كان مرآة فهو ليس مرآة عاكسة للواقع، بل هو مرآة عجيبة يتجلى فيها الجمال الأزلي، وتسطع فيها الحقيقة الخالدة، وإذا تعطلت هذه المرآة، أو أصابها الصدأ انحرفت عن طريقها وتعطلت رسالتها، وأنبتت"شجرة الكلمات"نبتا خبيثا لا يسمن ولا يغني من جوع"إن العالم دكان ومخزن إلهي يوجد فيه كل نسج وطرز، وشكل وقشر، كثيف، ورقيق وزائل ودائمي"30 وما قيمة الشاعر إذا لم يميز بين الكثيف والرقيق، والزائل والدائم ، ولم يقدم الشعر جوهرا صافيا رقراقا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت