الصفحة 1013 من 3036

إن الغافل عن الآخرة غافل حتى عن باطن هذه الحياة الدنيا وحقيقتها، والغافل عن باطنها متعلق بظاهرها وأعراضها، ومن هنا لا يمكنه أن يحقق خرق العادة أبدًا، وإن ظل يلهج ويردد بأنه مهووس بخرق العادة.

ومن الحقائق المتصلة بخرق العادة الإيمان بالحركة والفعل والتحول ونبذ السكون والثبات والتقليد"لأن العطالة والسكون والتوقف والاستمرار على طرز في الممكن - الذي ظهور وجوده بتغيره - نوع عدم في الأحوال والكيفيات، والعدم ألم محض وشر صرف"ولذلك كله"كانت الفعالية لذة شديدة والتحول في الشؤون خيرًا كثيرًا"24

الشعر كشف:

وكما ذهب أهل الحداثة إلى أن رسالة الشعر هي"الكشف عن عالم يظل بحاجة إلى كشف"26، فإن النورسي قرر منذ عقود، سابقًا أهل الحداثة، أن الشعر في جوهره كشف وفتح. ولكن أي كشف وأي فتح؟ هنا يختلف الطريقان، ويتباين البحران، هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج. بل إن الإنسان، بصفة عامة، هو عند النورسي"خلق ليكون فاتحا وكاشفا مريئا، وبرهانا نيرا، ودليلا مبصرا، ومعكسا نورانيا، وقمرا مستنيرا للقدير الأزلي، ومرآة شفافة لتجلي الجمال الأزلي"27

والشاعر، بحكم إنسانيته، مدعو إلى أن يكون فاتحا وكاشفا، وأداته الشعرية هي أداة الفتح والكشف. ولسانه"شجرة الكلمات"28 فلينظر إلى هذه الشجرة ماذا ستثمر؟

الشعر مرآة:

يمكن الحديث عن"نظرية المرآة"في الفن بعامة، وفي الشعر بخاصة، ولعل أفلاطون كان أول من ساق هذا التشبيه لشرح نظريته عن المحاكاة. فالفن محاكاة من الدرجة الثالثة. إن الواقع المرئي محاكاة لعالم المثل الذي هو الحقيقة، أما الفن فهو ليس غير محاكاة للواقع المرئي، ومن ثم فهو محاكاة للمحاكاة. الفن إذن، والشعر بخاصة، ليس غير مرآة تعكس ظاهر العالم الحسي بعيدا عن عالم المثل، فهو بذلك يقدم لنا صورة غير حقيقية عن الأشياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت