فهرس الكتاب
الشعر - عند النورسي - خرق للعادة، وهو أمر يكون بسب أن"الشاعر رجل تتسع رؤياه أحيانا إلى ما وراء أفق الإنسان العادي، فتذهله ضخامة الكون وجماله"20 والشاعر يجدّ في البحث عن خوارق العادات، ولكن الهزيمة كثيرا ما تحدق بأولئك الذين ما فتئوا يلهجون بخرق العادة، شعريا، ويسقطون سقوطًا ذريعا."الشعر الباحث عن خوارق العادات في الأكثر عادى.."21 فإذا نحن نظرنا إلى ما أنجزه زعماء الحداثة الشعرية العربية، مثلًا، وقسناه إلى تنظيراتهم وصيحاتهم، تبينّا البون الكبير بين التنظير والممارسة عندهم، إن الشعر عندهم التماس للدهشة وخرق للعادة، وهذا أحد زعمائهم يقول:"فإن الشعر الجديد كلام غير عادي وغير عام: إنه على وجه التحديد، خرق للعادة"22
أليس هذا هو ما كشفه النورسي قبل أن يدعيه أدونيس بنصف قرن من الزمن على الأقل؟
فماذا نجد عند زعماء الحداثة العربية حين نأتي إلى التطبيق؟ لا شئ غير كلام بارد لا روح فيه. إنه ليس خرقا للعادة، إلا أن يكون خرق العادة هولسات لا معنى لها، وذلك منتهى العجز، إن خرق العادة، إن كان مطلبا، ينبغي أن يزيدنا اقترابا من حقائق الوجود، بلغة شعرية متوهجة. وكيف يمكن أن يخرق العادة من هو دائم العكوف على أصنام العادة، لا يملك لنفسه فكاكا من أوزارها؟ كيف يمكن أن يتجاوز ما هو أرضي مشهود محدود معهود، إلى ما هو شعري علوي دفاق متحرر من أغلال العادة من يراهن على"أن الشعر العربي الجديد يتمسك بالدنيا حتى ليمكن وصفه إنه شعر الأرض"؟23 إن خرق العادة، شعريا، لا يتأتى إلا لمن امتلك القدرة على خرق حجاب هذه الحياة الدنيا، لتكشف له حقائقها الجوهرية، وإلا فهو سجين تلك الرؤية المقيدة التي لا تبصر، كالذين عبر عنهم القرآن الكريم:"يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (الروم:7) ."