فهرس الكتاب
وهكذا شأن التعقيبات التي على رؤوس كثير من الآي "ولا سيما كثرة تكراره "الظالمين… الظالمين…" وزجره العنيف لهم وإنذاره الرهيب من نزول مصائب سماوية وأرضية بذنوبهم ومظالمهم، فيلفت الأنظار - بهذا التكرار - إلى مظالم لا نظير لها في هذا العصر، بعرضه أنواعًا من العذاب والمصائب النازلة على قوم عاد وثمود وفرعون، وفي الوقت نفسه يبعث السلوان والطمأنينة إلى قلوب المؤمنين المظلومين، بذكره نجاة رسل كرام أمثال إبراهيم وموسى عليهما السلام" 24
وهكذا يؤدي التكرار، في هذا السياق، وظيفة مزدوجة، فتكرار "الظالمين.... الظالمين" تقريع للكفار من جهة، وهو المنطوق، وتطمين للمؤمنين من جهة أخرى وهو المفهوم.
وهذا التكرار المعجز هو الذي يعجز عن إدراكه غير المسلم وغير العربي بوجه أخص. لقد عقد توماس كارلايل في كتابه: (الأبطال) ، فصلًا شائقًا سماه "البطل في صورة رسول" عرض فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم ، ونسب إليه من الفضائل ما شاء، ورد كثيرًا من ترهات الغرب وأبطلها، ولكنه حين جاء إلى القرآن الكريم نفسه، لم يجد بدًا من أن يفرق بين أثر القرآن الكريم في العرب الفصحاء، وأثره في الغربيين، ولمح إلى ظاهرة "التكرار" في القرآن الكريم فقال: " أما القرآن فإن فرط إعجاب المسلمين به وقولهم بإعجازه هو أكبر دليل على اختلاف الأذواق في الأمم المختلفة، هذا وإن الترجمة تذهب بأكثر جمال الصنعة وحسن الصياغة، ولذلك لا عجب إذا قلت إن الأوربي يجد في قراءة القرآن أكبر عناء، فهو يقرأه كما يقرأ الجرائد، لا يزال يقطع في صفحاتها قفارًا من القول الممل المتعب، ويحمل على ذهنه هضابًا وجبالا من الكلم، لكي يعثر من خلال ذلك على كلمة مفيدة، أما العرب فيرونه على عكس ذلك لما بين آياته وبين أذواقهم من الملاءمة، ولأن الترجمة ذهبت بحسنه ورونقه، فلذلك رآه العرب من المعجزات، وأعطوه من التبجيل ما لم يعطه أتقى النصارى لإنجليهم" 25